إنها حرب إعلامية شرسة غير مسبوقة في التاريخ وتدل شدة دناءتها وتزامنها وتوزيع الأدوار فيها على أنها ليست من تخطيط عناصر محلية معروفة بغبائها.
لقد وصلت قذارة هذه الحرب إلى حد شراء فلول الحزب الوطني لجميع أعداد جريدة (الحرية والعدالة) في كثير من المحافظات وتزوير الدستور الذي توزعه الجريدة، لإثارة سخط المواطنين.
ولكل ذلك الكمّ اللامتناهي من الإشاعات والأكاذيب والافتراءات وغيرها يمكنني أن أتفهم قلق بعض الطيبين- من أهالينا في ريف مصر وحضرها الذين تعرضوا لعملية غسيل مخ بشعة- من نزول جماعة الإخوان المسلمين لحماية قصر الاتحادية.
لكن الذي لا أتفهمه على الإطلاق هو شك- مجرد شك- بعض أبناء التيار الإسلامي ليس في صحة هذا القرار وإنما في حتمية اتخاذه في التوقيت الزماني والمكاني، بل إنني أميل إلى أنه تأخر بعض الشيء وكان المفروض أن يكون هناك اعتصام رمزي حول القصر موازٍ لاعتصام التحرير، وذلك للأسباب الآتية:
- إن مخطط الفلول لمحاولة الانقضاض على الشرعية واضح وضوح الشمس في كبد السماء، ويعاونهم في تنفيذه بعض المتاجرين بالثورة الذين سمحوا لهم بالنزول إلى التحرير.
- لقاء السفيرة الأمريكية بممثلي ما يسمى جبهة الإنقاذ الوطني في حزب الوفد، وحديثها الذي فضحه عماد جاد دون أن يقصد وقالت فيه للمعارضة: أنتم لا تستطيعون حشد أكثر من عشرة آلاف، ففهموا إشارتها.
- الإصرار التام من أعضاء جبهة الإنقاذ الوطني على رفض كل دعوة مخلصة للحوار سواء من جانب الرئيس أو نائبه أو المبادرات التي طرحها الأفراد أو الهيئات إلا بشرط إسقاط الإعلان الدستوري الذي يحمي المؤسسات المنتخبة وهو ما يعني حلها بمجرد تجميد الإعلان وعودة العسكر.
- إدارة عناصر من أجهزة معينة في الدولة للمعركة الأخيرة، حتى أن مؤيدي الرئيس قبضوا على بعض هؤلاء متلبسين في قيادة أحداث الشغب والاعتداء على قصر الاتحادية ومقرات الحرية والعدالة.
- إن للقصر الجمهوري دلالة رمزية في نفوس المصريين فهو مقر الرئيس الذي يمارس فيه عمله، فإذا عجز الرئيس عن الدخول إليه أو البقاء فيه فإن ذلك يعني ببساطة عدم قدرته على إدارة مقاليد الحكم ومن ثم تصبح هي إشارة للانقضاض عليه والبديل جاهز.
- الاعتداء على الجنود المصريين الذين يحرسون مقر الرئاسة ورمز الشرعية، ومحاولة البعض التطاول على موكب رئيس البلاد وتدنيس أسوار القصر الجمهوري بعبارات بذيئة ورسومات مسيئة ونصب خيام يشرب فيها الخمر ويدخن الحشيش وأشياء أخرى تدل على ازدراء واحتقار منصب الرئيس، ومن ثم إسقاط هيبته في نظر الناس.
- بعد أن كان هناك توزيع أدوار في الدعوة للتظاهر أمام الاتحادية فمن منادٍ به ومن رافض له، خرجت دعوة صريحة- عقب تظاهرة الثلاثاء- مما يسمى جبهة الإنقاذ الوطني تدعو الجميع للتظاهر يوم الجمعة أمام الاتحادية.
فهل بعد كل هذه الدلائل التي لا تخطئها عين نترك لهؤلاء الفاشلين فرصة التجمع يوم الجمعة 7/12 أمام الاتحادية ليطيحوا بالرئيس الشرعي للجمهورية وندخل في عالم من الفوضى مماثل للعراق والصومال؟!
هناك من يقول: لماذا لا نترك حماية القصر للشرطة والجيش، وأقول لصاحب هذا الرأي: ليس كل ما يعرف يقال، وليس كل ما يقال حضر أهله، وليس كل ما حضر أهله حان وقته، وليس كل ما حان وقته صح قوله.
أخيرًا، بخصوص استقالة بعض مستشاري الرئيس الذين لا نشكك في وطنيتهم أو إخلاصهم، لكن ألم يسألوا أنفسهم لماذا لم يستمع أحد من الطرف الآخر إلى مبادراتهم التي قدموها؟ الأمر واضح إنها مؤامرة ماضية في طريقها وكان على الرئيس بما توافر لديه من معلومات أن يتخذ قرارًا مصيريًّا صعبًا لإنقاذ مصر وأن يمضي فيه قدمًا وإلا انهارت الدولة، ومثل هذه القرارات تشبه إلى حد بعيد العمليات الجراحية الضرورية لإنقاذ المريض، لكن قد لا يتحملها بعض مرهفي الإحساس فيضطرون إلى المسارعة بالخروج من غرفة العمليات رغم احتياج الطبيب والمريض لهم.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)) (آل عمران).