وتلك التحية الواجبة للجماعة التي أتشرف بالانتماء إليها لها سببان: واحد عام، والآخر خاص! أما الأول فهو العدول عن الذهاب إلى التحرير، ولم يكن لأحد من المعتصمين هناك أن يمنع تلك الحشود الهائلة التي أعلنت نصرتها للشرعية والشريعة من اقتحام الميدان والسيطرة عليه.
ولكن كانت هناك أخطار مؤكدة حول الدماء التي يمكن أن تسيل في هذه الحالة، وهذا ما لا يقبله أي مصري لنفسه، رغم أن التحرير حق أصيل لكل من شارك في الثورة، وللأسف به حاليًّا أنصار العهد البائد، إلى جانب الثوار المعتصمين هناك، وهذا عار عليهم أن يكون معهم من وقف إلى جانب المخلوع وأتباعه، مثل أحمد شفيق وعمر سليمان.
وأنتقل إلى السبب الخاص، فقد كان عندي رأي في الإعلان الدستوري الصادر من رئيس الجمهورية مختلف عن رأي الجماعة، ومع ذلك عبَّرت عن نفسي دون أي رد فعل أو عقاب من جانبهم! ألا يستحق ذلك أن أقول للمرشد ومن معه: شكرًا، وهذا دليل مؤكد على الديمقراطية الموجودة بين الصف!.
وما ترفضه الجماعة أن يقوم أحد أعضائها بالتطاول عليها في الفضائيات والصحف المعادية، أو يثير انقسامًا داخل الصف، أو يضع يده في يد أعدائها، أما مجرد اختلاف وجهات النظر فهذا شيء صحي ومطلوب، بشرط عدم التجاوز، وهذا ما حرصت عليه جدًّا، فكل المحاولات التي بذلت لدفعي إلى الظهور في الفضائيات وإبداء رأيي فيها؛ باءت بالفشل، وقلت يكفيني كتابته فقط، ثم إنني لم أقل أبدًا إن الإخوان قد أخطأوا.
وحاول البعض تشويه رأيي على أساس أنني غير موافق على الإعلان الدستوري كله، وهذا غير صحيح أبدًا، فقد اعترضت فقط على سلطات رئيس الدولة في المادة الثانية والسادسة من هذا الإعلان! فأما الثانية فهي تقوم بتحصين قرارات الحاكم! وهذا ما فعله نظام عبد الناصر عندما قال: ممنوع الطعن على قرارات مجلس قيادة الثورة! وكانت النتيجة ديكتاتورية استمرت أكثر من نصف قرن! وأما السادسة فهي تعطي رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة في حالة تعرض البلاد للخطر، وهذا بالضبط ما قام به الرئيس السادات ووضع خصومه في السجن باسم تلك المادة في حملته الشهيرة ضد المعارضين سنة 1981، وصدق من قال: "المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين".