إن من الثوابت التي لا جدال فيها، أنه لا ينبغي لأحد من المصريين أن ينكر على شركائه في الوطن حقهم في معارضة أي قرار يصدره الرئيس أو حكومته حتى لو بدا للأغلبية أنه صواب، وكذلك حق لهم معارضة أي موقف يتبناه حزب أو جماعة؛ فإن الاختلاف في الدين نفسه قد أقره مشرِّع الدين، قال تعالى: "لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ" (الكافرون: آية 6)، وقال تعالى: "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ" (هود: آية 118).

 

لكن هذا الحق في الاعتراض ينبغي أن يقتصر التعبير عنه على الطرق السلمية المتحضرة، دون التعدي على حقوق الآخرين، أو الإضرار بالوطن ومنشآته العامة والخاصة.

 

لقد حدثت عقب الإعلان الدستوري الأخير في التحرير وبقية ميادين مصر جرائم يندى لها جبين كل مصري شريف، بدءًا من الألفاظ البذيئة والسباب الجارح، والتعدي على السياسيين بالقول أو اليد أو الأحذية، مرورًا بالحشد الطائفي والفلولي والتحرش الجماعي، وانتهاء بأعمال البلطجة وترويع الناس وحرق مقرات الإخوان وحزب الحرية والعدالة، وحرق مباني المدارس والمباني الحكومية وسيارات الشرطة وقتل النفس التي حرم الله.

 

وغير خاف على من يتابع الشأن المصري أن هذه الجرائم وإن كانت ناتجة عن عدم تعود كثير من المصريين على ممارسة الديمقراطية طوال العهود الماضية، فإن الدافع المباشر لها- بجانب الأصابع الخفية لفلول النظام البائد- هو ذلك الشحن والتهييج الإعلامي الهستيري.

 

إن الصفعة الغادرة التي تلقاها الدكتور السيد البدوي- الذي أختلف معه كثيرًا- هي بمثابة جرس إنذار للسياسيين تذكرهم بالمثل المصري الشهير "اللي يحضر العفريت يصرفه"، وتذكرهم بأن الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها، لذا فإن على المخلصين منهم للوطن بحق ألا يشاركوا في الحشد وتهييج الرأي العام دون أن تكون لديهم القدرة على السيطرة على تلك الجموع الغاضبة.

 

لا تكفي البيانات الخجولة والتصريحات الهزيلة التي تصدر عن البعض لتدين حرق مقرات الإخوان والحرية والعدالة أو الاعتداء على الشرطة في محيط ميدان التحرير، بل يجب أن يتكاتف الجميع للتصدي بكل حزم وقوة لهذه التصرفات المجرمة التي قد تطال غدًا بقية القوى.

 

أيها المصريون العقلاء المخلصون والمحبون للوطن، أرجوكم لا تنساقوا خلف من باعوا ضمائرهم وأرواحهم، ولا يرقبون في وطنهم إلاً ولا ذمة، فمعبودهم الدولار وقائدهم الشيطان، وهم يرتعدون خوفًا بعد تعيين نائب عام جديد من المؤكد أنه سيعيد فتح ملفاتهم القديمة ليزج بهم في السجون بعد محاكمات عادلة تقتص منهم، لذلك فإنهم لن يتورعوا عن إحراق البلد بما فيها حتى يعود لهم عزّهم السابق، فإن فشلوا فسيركبون أول طائرة مغادرة كما فعل من قبلهم ممدوح إسماعيل وأحمد شفيق ومؤخرًا عمرو أديب.

 

وإلى الذين يُردِّدون بلا وعي "الشعب يريد إسقاط الرئيس" أقول لهم تعلموا من التجربة اللبنانية المريرة التي جعلت سعد الحريري وفؤاد السنيورة يطالبان أنصارهما بالرجوع عن حصار سرايا الحكومة وبتدخل قوات الأمن لحمايتها، فمن أتى بالصندوق لا يخرج إلا بالصندوق وإلا فلن نخرج من الفوضى، فالذي هو في الحكم اليوم سيكون في المعارضة غدًا وكما تدين تدان.

 

وأخيرًا، همسة في أذن السيد البدوي: أنا ألتمس لك العذر لأنك حين صُفِعت على غفلة خرجت عن شعورك وقمت بشتم صاحب هذه الفعلة النكراء، أفلا تلتمس أنت العذر للرئيس محمد المرسي في قراراته الأخيرة التي حاول بها ردع الصفعات التي تنال من الإرادة الشعبية الثورية بواسطة قضاة النظام البائد.