تمرُّ مصر في هذه الأيام بمرحلةٍ حاسمة في تاريخها لبناء دولة المؤسسات التي كنا نحلم بها من عشرات السنين، يجسدها المشهد السياسي المصري المشحون، والذي يشهد تحديات وعقبات كبيرة لإنجاز التحول الديمقراطي الذي نأمله لإعادة بناء مصر بعدما أهدر النظام السابق مكانتها ومقدراتها.

 

ومما يزيد الارتباك المتعمد للمشهد السياسي المصري هو موقف بعض الأحزاب والقوى السياسية التي تريد فرض رأيها ووصايتها على الشعب المصري، والتحدث باسمه، واحتكار الحقيقة المطلقة، والصواب الدائم لكل مما تقوله أو تتخذه من إجراءات أو قرارات.

 

كما أنها تتعمد- لزيادة تعقيد المشهد- إهدار إرادة الشعب أو على الأقل التقليل من شأنها، وفي سبيل ذلك تختلق الأزمات والعقبات أمام التحول المنشود؛ لأنها تدرك أن الشعب لا يثق فيها ولن يأتي بها؛ ولذا فهي تريد هدم المعبد على الجميع، وهو ما لن يتحقق بإذن الله، بحماية الله لمصر ثم بحرص ووعي شعبها العريق.

 

إن بعض هؤلاء الذين يتباكون الآن على الديمقراطية وعلى السلطات المطلقة للرئيس- كما يدَّعون- هم أنفسهم مَن طالبوا المجلس العسكري في السابق بالبقاء لسنتين أو أكثر في الحكم حتى يبنوا جسور تواصل لهم في المجتمع، وحتى يستطيعوا تشويه صورة الإسلاميين أكثر وأكثر بكل أسف.

 

وتناسى هؤلاء عن عمدٍ أنه بعد ثورتنا المباركة فإنه لا مجال للعودة للاستبداد ولا لحكم الفرد، وإذا كان البعض يُسقط بهذا الكلام على رئيسنا المنتخب، فهو قد عانى الاستبداد والظلم ما لم يعانِ منه معظمهم، وبالتالي فلا يمكن أن يظلم أو يستبد سواء لتجربته أو لما عُرف عنه وعن تاريخه ودينه وخلقه. فلا داعي إذن للمزايدات الرخيصة التي تشقُّ الصف وتُهدر الطاقات وتُعطِّل المسيرة.

 

وكان بعض هؤلاء ينادي بضرورة اتخاذ قرارات ثورية، وعندما يتخذها الرئيس نجده هو ذاته يرفضها، وكأنه كان يراهن على مقدرة الرئيس على اتخاذها، وعندما اتخذها أسقط في يده فرفضها لمجرد أنها صدرت عنه.

 

إن القرارات التي اتخذها رئيس الجمهورية لحماية الثورة ومقدراتها نالت استحسان وموافقة معظم الشعب المصري وآخرها الإعلان الدستوري الذي أثبتت كل استطلاعات الرأي التي أجريت في مختلف المواقع والقنوات موافقة غالبية الشعب عليها وتأييده لها، فضلاً عن المسيرات الحاشدة التي تجوب كل أرجاء القطر المصري.

 

إن الباعث الحقيقي لرفض قرارات الرئيس هو محاولة إفشاله ومشروعه وإعاقة أي تقدم يُحرزه على أرض الواقع، وهو ما لن يتحقق بإذن الله؛ حيث إن الشعب أوعى من هذه النخبة التي تسكن في الفضائيات والقاعات المكيفة وتتاجر بكل أسف بمستقبل الوطن والمواطن.

 

وبعض هؤلاء لا يسعون لمصلحة الوطن العليا، ولكنهم يسعون من أجل مصلحتهم الخاصة ومكاسبهم الزائلة، فعلى كل مَن لا يرغب في الوصول لاستقرار الوطن وإعادة بنائه أن يتحمل المسئولية كاملةً أمام الله وأمام التاريخ وأمام الشعب، فمَن يرد مد أجل الفترة الانتقالية لن ينجح؛ لأن الشعب يبحث عن الاستقرار وإعادة البناء ولا يريد أن يستمر إلى ما لا نهاية في الفراغ الدستوري والقانوني والأمني الذي يريدون جرنا إليه.

 

ويسعى هؤلاء في سبيل التدليس على الشعب، لإثارة عدد غير محدود من الشائعات لخلق مشهد إعلامي مرتبك يغذي الأزمات السياسية المصطنعة بأيديهم، وتناسى هؤلاء أن أهداف ومطالب الثورة تتحقق ببناء المؤسسات القوية ووجود دستور دائم للبلاد يساعد على إعادة بناء مصر من جديد.

 

ومن مشاهد الازدواجية العفنة التي يمارسها بعضهم أنه يتلاعب بالمعايير حسب هواه ووفق مصلحته، فهو عندما يحشد عددًا كبيرًا في الميادين يقول هذا هو الشعب، وتلك هي الإرادة الشعبية، وعندما يحشد غيره يقول جمعة "قندهار" واستعراض للقوة، ويسوقون أفرادهم وفق مفهوم السمع والطاعة، وعندما يفوز أحدهم بمقعد نيابي يقول هذا هو الشخص الكفء والخبير والشعب أحسن الخيار ولفظ الأدعياء، وعندما يفوز غيره يقول فاز بالرشى الانتخابية وبحسن تنظيم الأقلية؟!

 

فليختار هؤلاء المعايير التي يريدون الاحتكام إليها.. هل هي المسيرات والمليونيات، أم الانتخابات والاستفتاءات؟! وإن كنت على ثقةٍ تامةٍ أنهم يريدون الثالثة، وهي أنفسهم ومكانتهم ووجودهم في صدارة المشهد، وفي موقع اتخاذ القرار، ولو بغير حق تحت دعوى الاتفاق والتوافق وأي مسمى يحقق لهم ما يريدون.

 

إن هؤلاء يغامرون بمستقبل الوطن وبمصالحه من أجل مصالحهم، وهم يسعون لإهدار أي خيار للشعب بإرادته الحرة من أجل مكاسبهم هم متذرعون بأسبابٍ واهية، وأعذار مختلقة لا يمكن القبول بها تحت أي مسمى، فالمراحل الحاسمة من تاريخ الأمم تحتاج قرارات حاسمة بحجم وبقدر التحدي الذي تواجهه، وتريد رجالاً أقوياء أشداء على قدر المسئولية ليتحملوا الأمانة ويأخذوها بحقها.

 

فليستمع هؤلاء لرأي الشارع، ولينزلوا على رغبته، وليعتبروا إرادته هي المهيمنة على قراراتنا وتصرفاتنا، أما أن يدَّعي البعض أنه فوق هذه الإرادة وواجب تغييرها لعدم وعي الشعب فهذا تسفيه للشعب لا نرتضيه ولا نقبله، ولا يمكن لأحد قبوله، فالشعب هو صاحب الشرعية والسلطة وواجب على الجميع الانصياع له.

 

إن الصوت العالي للأقلية لن يرهبنا، وتحالف بعضهم مع فلول النظام السابق وبقاياه لن يخيفنا، ومسيرة بناء مصر مستمرة خلف رئيسنا المنتخب، الذي يثق غالبية الشعب فيه وفي قراراته، فعليهم القبول بقواعد الديمقراطية والنزول على رأي الأغلبية، ولو كانت بصوت واحد، والتعاون معها من موقع المعارضة الوطنية الحريصة على بلدها، ولتكن العين الناقدة والحريصة على وطنها ومصالحة، لا أن تكون المعوق للمسيرة والهادم لما يبنى.

 

ومن الواضح أن الفلول وبعض رجاء الأعمال المنتفعين والمتربحين من النظام السابق قرروا استغلال الظرف الراهن ويسعون للتخفي وراء شعارات الثورة لمحاولاتهم المستميتة لإعادة غسل سمعتهم وتأهيل أنفسهم للاندماج في الحياة السياسية من جديد، وهو ما لن تقبله غالبية الشعب المصري الواعي والمدرك لحقيقتهم ولخطورة تحولهم.

 

إن المؤيدين لقرارات الرئيس وأنصار الرئيس بحمد الله أضعاف أضعاف المعترضين الذين نحترم رأيهم وحقهم في الرفض والاعتراض، ولكن ليس من حقهم احتكار التحدث باسم الشعب، فغالبية الشعب مع الرئيس وقراراته، والواقع الشعبي يؤكد ذلك.

 

لنستمع بعضنا لبعضٍ في جلسات حوار هادئ للوصول لنقاط اتفاق وضمانات تقلل من فجوة أزمة الثقة المتجذرة في المشهد السياسي، دون وضع شروط تعجيزية للحوار أو محاولة لي ذراع الرئاسة لتلبي مطالب البعض، وهو ما لن ترضى به جموع الشعب المصري.

 

حمى الله مصر وشعبها ورئيسها من كل مكروه وسوء.