إنها ليست هي الشديدة، أو العنيفة، أو العنيدة، أو المتصلبة، أو المتسلطة، أو المتشنجة، أو المتمسكة برأيها دون قبول ٍ للرأي الآخر، أو العالية الصوت، أو الحادة النظر والكلام والحديث، أو القوية الجسد والعضلات المُهدِّدَة لمن حولها باستخدام قوتها الجسدية، أو ما شابه هذا ممَّا قد ينتشر ويشتهر خطأً بين الناس.

 

إنَّ الشخصية القوية هي شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، أكمل الخلق وأقواه وأسعده.. القدوة التامة لمن أراد أن يكون كاملاً قويًّا سعيدًا في الدنيا والآخرة، كما وجهنا تعالى وأوصانا بقوله: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا" (الأحزاب: 21).

 

إنها الشخصية التي تستخدم لكل موقف الخُلُق الذي يناسبه، ما دام في إطار الخير والصواب والحق لا يخرج عنه، أي في إطار أخلاق الإسلام، لتحقيق أفضل وأسعد نتائج للشخص ومن حوله جميعًا، كما يُفهَم ضمنًا من توجيهه تعالى لنا باستخدام ما يُناسِب من أقوال ٍوأفعال ٍحلال ٍصواب ٍفي قوله: ".. أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ.." (الفتح: 29) والذي قال فيه الإمام السعدي في تفسيره: ".. يخبر تعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المهاجرين والأنصار أنهم بأكمل الصفات وأجلّ الأحوال..".

 

إنها الشخصية المتوازنة المعتدلة التي تجمع دائمًا وبما يُناسِب بين اللين والحزم والرفق والشدة في إطار الحب والعدل والحوار نحو الأمثل والأنفع والأسعد.

 

إنها الشخصية الكاملة الأخلاق ما أمكن (برجاء مراجعة مقالة: "مسلم كامل" لمزيد ٍمن التفصيل والتوضيح)، أي الشخصية الصادقة الأمينة الوفية العادلة المتحاورة الودودة المتعاونة المتسامحة المتصافية الليّنة الكريمة العاملة المنتجة المخططة المطوّرة المُبدعة المتناصحة... إلى غير ذلك ممَّا عليها أن تتصّف به من أخلاق الإسلام الحسنة المُسْعِدَة.

 

إنها بالجملة وتلخيصًا هي الشخصية السعيدة لنفسها المُسْعِدَة لغيرها.

 

إنَّ الحزم والحسم وعدم التراجُع لا يكون إلا في الإصرار على عدم الاقتراب أبدًا من الحرام، وهو كل شيء مُضرّ ظالم مُتعِس، مثل حزمه صلى الله عليه وسلم في حالة المرأة المخزومية التي سرقت وأراد البعض منع إقامة الحدّ عليها لشرفها فحَسَمَ صلى الله عليه وسلم أمر العدل والمساواة بقطع يدها حتى لا يُضَرَّ المجتمع ويتعس بحجَّة من الحجج وقال قولته المشهورة: ".. لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (رواه البخاري ومسلم).

 

يقول الإمام ابن حجر في "فتح الباري" عند تعريفه للحازم: ".. الحازم: هو الضابط أمره.."، أي هو الذي دومًا يضبط أموره وينظمها بأولوياتها ويُقيمها على الصواب ويُقوِّمها من أيّ انحراف ٍليسعد هو والجميع بذلك.

 

كذلك الحزم يكون فيما هو حقّ عام للمجتمع ككل، كما في الحديث السابق، أمَّا الحقّ الخاصّ الشخصيّ، فمن الممكِن إمَّا الحزم في أخذه بالحق والعدل والودّ، وإما اللين في تركه والتنازل عنه والتسامح فيه.. كما تقول عائشة رضى الله عنها: ".. ما انتقم رسول الله لنفسه في شيء قط إلا أن تُنتَهَك حُرمة الله فينتقم لله تعالى.." (رواه البخاري ومسلم).

 

أمَّا فيما عدا ذلك، فالأصل الرفق والحب والتحاور والتعاون والتسامح والتناصح ونحوه، كفعله صلى الله عليه وسلم في كل شئون الحياة.

 

أمَّا العودة إلى الحق، وإلى الرأي الأكثر صوابًا والأمثل والأنسب والأفضل والأنفع والأسعد، حتى ولو جاء مِمَّن هو في ظن البعض أقل رتبة، لا يُعَدّ ضعف شخصية، وإنما هو عين قوتها، لأنه يدل على أن هذه الشخصية تبحث دائمًا عن الخير والحق، فهي قوية به وببركة الله القوي العزيز فيه، وليس العكس.. يقول صلى الله عليه وسلم موضحًا قوة شخصية مَنْ يفعل ذلك: " ألا يمنعنّ رجلاً هيبة الناس أن يقول بحقّ ٍإذا علمه " (رواه الترمذي وابن ماجة وغيرهما).

 

إنَّ رفق الرسول صلى الله عليه وسلم ولينه وعدله، وكذلك أيّ مسلم بهذه الصفات، لم يدفع أبدًا مَن حوله إلى التعالِي عليه أو الانتقاص من شأنه أو الاعتداء على حقوقه!! بل دفعهم إلي الإسلام معه واتبّاعه وأخلاقه ليسعدوا مثله، كما يُفهَم من قوله تعالى: "وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ" (فصّلت: 34)، والذي قال في تفسيره الإمام ابن كثير: ".. أي إذا أحسنت إلى مَن أساء إليك قادته تلك الحسنة إلى مصافاتك ومحبتك والحنوّ عليك حتى يصير كأنه وليّ لك حميم..".

 

فكن أيها الداعي إلى الله والإسلام مِمَّن يُحسنون فهم معنى الشخصية القوية، ومِن أصحابها، والدعاة لها، لتسعد بها أنت ومَن حولك في دنياكم وآخرتكم.