لم أشرف بمقابلته أو بمعرفته من قبل، لكنني لم أتمالك نفسي؛ فدمعت عيني حين رأيت صوره، إنه إسلام فتحي مسعود، فتىً في ريعان الشباب لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، باسم الثغر، جميل المحيا، بهيّ الطلعة.
كان معتزًا بإسلامه ودعوته وانتمائه لجماعة الإخوان المسلمين المباركة فكتب في الآراء الدينية على صفحته في فيس بوك "مسلم ولي الشرف أني من الإخوان المسلمين".
وهو لا يحمل في قلبه الطيب حقدًا أو ضغينة لأحد، حتى الأيدي الآثمة التي امتدت لترتكب جريمة قتله، بل هو يحب الخير للناس جميعًا، فقد كتب عن أمله في الحياة: "أملي أن يرضى الله عني وعن المسلمين جميعًا".
وفهمت من صوره أنه شاب نشأ في طاعة الله، إذ معظمها مع إخوان له في الله داخل المسجد، أو في رحلات خلوية أو أعمال خيرية، وهو بارٌّ بوالديه إذ كانت آخر كلماته كما قال أحد القريبين منه: "خلي أمي تسامحني".
وهو مثقف مهموم بقضايا أمته إذ جعل صورته الرئيسية على فيس بوك جدارية مرسوم عليها علم فلسطين وعلم سوريا، ومكتوب عليها "الحدود تراب والنضال واحد".
وهو شغوف بمسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمنِّي نفسه بتحريره من أيدي الصهاينة الغاصبين، وهو على استعداد للتضحية بنفسه في سبيل تحقيق هذا الهدف، إذ جعل صورته الشخصية لطفل صغير معمم بعلم فلسطين.
وتدل صورته وهو ينشد مع إخوانه في عرس أحد أساتذته أنه كان مرهف الحس رقيق المشاعر جياش العاطفة يحفظ الأناشيد العذبة طيبة الكلمات ويرددها بصوته العذب الشجي ليسعد من حوله.
ومع كل هذا كان إسلام يعيش مرحلة بداية الشباب فكان مرحًا ودودًا ينشر بين أصدقائه صور الألغاز الطريفة، وصور الزهور الجميلة، وصور المناسبات السعيدة، وصور المقالب المرحة.
عاش إسلام مسعود حياته وهو يهتف: الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا، وكان يردد: في سبيل الله قمنا نبتغي رفع اللواء، لا لدنيا قد عملنا نحن للدين فداء، فليعد للدين مجده أو تراق منا الدماء، فأكرمه الله تعالى بالشهادة، قال تعالى "وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ" (آل عمران :169/170).
وقضى إسلام فتحي مسعود نَحْبَه، وأوفى بعهده، ولقي ربه شهيدًا، وهو يدافع مع رفاق دربه عن بيتهم الثاني، مقر جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة في دمنهور، ويحاول التصدي لهجمات بلطجية التيار الشعبي وحزب الدستور، فقاموا بضربة هو ومن معه، حتى فاضت روحه متأثرًا بالجراح.
أرجوكم لا تبكوا على إسلام مسعود، لا تودِّعوه، ليكن كلٌّ منا إسلام مسعود بطهره ونقائه وعشقه لدينه وتضحيته في سبيل دعوته، قال تعالى: "وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ"
فيا أمَّ إسلام ويا أباه، بشراكم فقد أحسنتما تربيته حتى صار رجلاً في سن يحسبه البعض فيها من الأطفال، وإسلام نحسبه من الشهداء، وأرواح الشهداء عند الله في حواصل طير خضر، تسرح في أنهار الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل تحت العرش.
وتذكروا أيها الإسلاميون أن غايتنا واحدة وهدفنا واحد ومصيرنا واحد، فالوحدة الوحدة، "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" (الحجرات: من الآية 10)، وهم يد على من سواهم، وإنما النصر صبر ساعة، فنحن في صراع مصيري مع العبيد، عبيد السلطة والمال والمأمور والمخدرات، وأشد ساعات الليل ظلامًا هي التي يعقبها طلوع الفجر، وأبشروا بفجر جديد من الحرية والعزة والكرامة.
وتذكروا أيها الإخوان: نحن الآن في مرحلة التنفيذ، والدعوة في هذه المرحلة جهادٌ لا هوادةَ فيه، وعملٌ متواصلٌ في سبيل الوصول إلى الغاية، وامتحانٌ وابتلاءٌ, ولا يصبر عليها إلا الصادقون, ولا يكفل النجاح في هذا الطور إلا كمال الطاعة.