أكد الدكتور محمد مرسي، رئيس الجمهورية، أن مصر تضع التعاون في إطار تجمع "الكوميسا"، ومساعي تحقيق التكامل الاقتصادي وتعزيز التبادل التجاري بين الدول الأعضاء فيه، على قمة أولويات سياستها الخارجية، خاصة أن هذا التجمع الناجح يسهم ليس فقط في دعم وزيادة معدلات التبادل التجاري، وإنما كذلك في ترسيخ روابط التلاحم والتجانس بين الدول الأعضاء بشكل كبير.

 

جاء ذلك خلال كلمة ألقاها أسامة صالح، وزير الاستثمار، نيابةً عن الدكتور محمد مرسي، رئيس الجمهورية، خلال قمة رؤساء دول وحكومات تجمع السوق المشتركة لدول شرق وجنوب إفريقيا "الكوميسا" والمنعقدة حاليًّا في أوغندا، على مدار يومي 23 و24 نوفمبر الجاري.

 

وأكد مرسي أن تجمع دول الكوميسا قد أسهم في زيادة الاستثمارات المتبادلة بين الدول الأعضاء وتعدد الزيارات على مستوى رجال الأعمال، وما صاحب ذلك من تلاحم شعبي وتعزيز للتعاون المشترك في مختلف المجالات، وذلك في الوقت الذي بلغ فيه حجم التبادل التجاري بين مصر ودول "الكوميسا" في عام 2011 نحو 2.5 مليار دولار؛ ليشهد بعد ذلك طفرة واضحة خلال العام الجاري 2012؛ حيث وصل إلى 1.6 مليار دولار خلال الشهور الثلاثة الأولى فقط من العام.

 

وأضاف أن موضوع هذه القمة للدول الأعضاء بالكوميسا هو "تعزيز التجارة البينية وتنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر"، موضحًا أنه لم يكن ليأتي في توقيت أكثر ملاءمة من الآن، حيث إنه يتزامن مع توفر البيئة المناسبة لدى العديد من دول التجمع لتعزيز التجارة البينية ودعم التكامل الاقتصادي، في ظل مناخ الاستقرار السياسي والأمني، ومع وجود مئات الآلاف من صغار التجار وأصحاب المشروعات الصغيرة في منطقة "الكوميسا"، والذين يمثلون العمود الفقري لاقتصادياتنا، ويمكن لهم- في حال تم دعمهم وتقديم الخبرة الفنية والمشورة لهم- لعب دور كبير وبنَّاء في دعم مسار التكامل الاقتصادي بين الدول الأعضاء بالكوميسا.

 

وأشار الرئيس محمد مرسي- خلال الكلمة التي ألقاها أسامة صالح وزير الاستثمار نيابةً عنه- إلى أن شعار القمتين الإفريقيتين للعام الجاري 2012 وهو "تعزيز التجارة البينية في إفريقيا" يتطابق مع الشعار الذي ترفعه هذه القمة لتجمع الكوميسا، وهو ما يؤكد أن هذه الغاية باتت تمثل ركيزة أساسية وحجر زاوية في تحقيق التكامل الاقتصادي الإقليمي في إفريقيا، كما أن السعي لتحقيق حلم منطقة التجارة الحرة القارية في إفريقيا لم يعد رفاهية، بل أصبح ضرورة يحتمها تنامي التحديات التي تواجه القارة الإفريقية في منظومة الاقتصاد العالمي.

 

وأكد أن مصر أدركت منذ ما يناهز العقدين من الزمان أهمية تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر لخدمة أهداف التنمية الاقتصادية والتكامل الاقتصادي مع دول الجوار، وأنه على الرغم مما قد يبدو من تواضع الناتج عن كل مشروع على حدة، فإن هذه المشروعات مجتمعة يمكنها أن تسهم في النهوض باقتصادياتنا وتوفير فرص عمل قد تفوق الاستثمارات الكبرى، خاصةً أن تأثير المشروعات الصغيرة يكون ملموسًا ومنتشرًا في مختلف الأقاليم ولدى الطبقات الأقل قدرةً على المنافسة في سوق العمل.

 

وأضاف مرسي أنه من هذا المنطلق حرصت مصر على تعبئة الموارد الفنية والمالية المتاحة لتشجيع ونشر فكر العمل الحر وربط الصناعات الكبيرة بالمشروعات والصناعات الصغيرة؛ باعتبارها صناعات مغذية، كذلك فقد أنشأت مصر "الصندوق الاجتماعي للتنمية" من أجل دعم هذه المشروعات فنيًّا، ومساعدتها في تنفيذ دراسات الجدوى الخاصة بها، وتقديم القروض الميسرة لها، وقد نجح هذا الصندوق على مدار عشرين عامًا في تحقيق هذا الهدف؛ حيث أسهم في إطلاق العديد من المشروعات الصغيرة.

 

وأضاف أن الصندوق الاجتماعي تمكن من توسيع دائرة الشركاء من القطاعين الخاص والحكومي، والتوسع في منح القروض الصغيرة من خلال البنوك والجمعيات الأهلية، ولقد شهدنا في مصر العديد من قصص النجاح في هذا المجال، ولهذا فإننا نتطلع خلال هذه القمة، والاجتماعات التالية لها، إلى مشاركة هذه التجارب مع أشقائنا في "الكوميسا".

 

وأكد مرسي أنه على الرغم من عمق وتطور مستوى التعاون الاقتصادي والاستثماري بين دول هذا التجمع الإفريقي المهم فإنه لم يصل بعد إلى المستوى المأمول، والذي يرقى لتطلعات وآمال الدول الأعضاء، وهو ما يتطلب منا جميعًا العمل على النظر في السبل والآليات التي من شأنها أن تسهم في تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري المشترك بين دول الكوميسا.

 

وأشار إلى أن الجميع أصبح على قناعة بأن القطاع الخاص يلعب دورًا حيويًّا ومهمًّا، إلى جانب الحكومات، على طريق تعزيز التعاون المشترك بين الدول الأعضاء، وهو ما يستلزم قيام دول الكوميسا بالعمل على تفعيل دور القطاع الخاص في إطار تجمعنا هذا، وذلك من خلال قيام التجمع بتنظيم اجتماعات لرجال الأعمال والقطاع الخاص من أجل تفعيل التعاون المشترك في هذا المجال.

 

ودعا الرئيس محمد مرسي إلى ضرورة التعجيل بالعمل فيما بين دول الكوميسا على تفعيل عدد من الخطوات التي سبق أن تم الاتفاق عليها، والتي من شأنها أن تدعم مستويات التعاون الاقتصادي والتجاري القائمة بين دولنا، ومنها تشكيل مجموعات عمل مشتركة على مستوى الخبراء المعنيين، تقوم بعقد لقاءات دورية تهدف إلى إزالة الصعوبات التي تعوق مسار الاستثمارات المتبادلة، وإلى تبادل المعلومات حول تطورات مناخ الاستثمار في دول التجمع والفرص الاستثمارية المتاحة بها، فضلاً عن مناقشة المشاكل التي تواجه المستثمرين وتعوق حركة تدفق الاستثمارات المشتركة.

 

وأضاف مرسي- خلال الكلمة التي ألقاها أسامة صالح وزير الاستثمار نيابةً عنه- أن مصر من جانبها حريصة أشد الحرص على دعم مستوى التعاون وتعزيز الروابط والعلاقات الاقتصادية القائمة بينها وبين كل دول التجمع؛ حيث إن إقامة مشروعات استثمارية مشتركة مع دول "الكوميسا" تمثل أحد أهم الأهداف الإستراتيجية لمصر، وهو ما كان المحرك الرئيسي لتوجهها النشط خلال الفترة الماضية نحو وضع وتفعيل الأطر التعاقدية المعنية بحماية وتشجيع الاستثمار مع أشقائها في تجمع الكوميسا.

 

وأوضح أنه قد تم البدء في تنفيذ اتفاقيات تشجيع وحماية الاستثمار مع عدد من دول التجمع مثل السودان وإثيوبيا، وذلك بعد الانتهاء من إجراءات التصديق عليها، كما تم البدء في التفاوض بشأن توقيع اتفاقيات مماثلة مع عدد من دول التجمع الأخرى، وعلى رأسها كينيا ورواندا وأوغندا وتنزانيا وبوروندي والكونغو الديمقراطية.

 

وتحرص مصر كذلك على تفعيل التعاون الاستثمارى بين دول التجمع، من خلال تعظيم دور الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة في تنمية وتشجيع الاستثمارات المتبادلة مع دول "الكوميسا"، كما دعمت مصر قيام جمعية "رجال الأعمال المصريين" بتأسيس "الشركة المصرية- الإفريقية للاستثمار والتنمية" برأسمال 100 مليون جنيه، وذلك للعمل على الترويج للفرص الاستثمارية في دول "الكوميسا"، ومساندة القطاع الخاص المصري في تنفيذ مشروعات استثمارية كبيرة في دول التجمع.

 

وأضاف الرئيس محمد مرسي أن التطورات الإيجابية التي شهدتها عدة دول في القارة الإفريقية بشكل عام، وفي إقليم "الكوميسا" بشكل خاص، تمثل مصدرًا للتفاؤل حول قدرة دول قارتنا على المضي قدمًا في جهود تحقيق التنمية الاقتصادية، غير أن أهدافنا وآمالنا وطموحاتنا الاقتصادية لن تتحقق بشكل كامل ما لم تتمتع دول المنطقة بالسلم والأمن والاستقرار، مشددًا على أن مصر تأمل في أن تتمكن دول الكوميسا من تعزيز بنية السلم والأمن فيما بينها، ومساندة كل دول الإقليم التي تواجه التحديات على صعيد الأمن والسلم.
واختتم مرسي في كلمته التي ألقاها نيابةً عنه وزير الاستثمار بتأكيد ضرورة إعلاء هدف هذا الملتقى الإفريقي المهم، وهو التعاون المشترك في إطار "الكوميسا"، مشيرًا كذلك إلى ضرورة التعاون الأشمل في إطار التجمعات الاقتصادية الإفريقية الثلاثة: "الكوميسا" و"السادك" و"شرق إفريقيا".

 

وتستضيف مصر خلال شهر ديسمبر المقبل 2012 اجتماع المنتدى الخامس للمفاوضات الخاصة بالتوصل لاتفاقية التجارة الحرة بين التجمعات الإفريقية الثلاثة.

 

وأعرب مرسي عن تقدير مصر الكبير للجهود التي يبذلها الخبراء المعنيون من كل الدول الأعضاء في التجمعات الثلاثة من أجل التوصل إلى توافقات نهائية حول اتفاق التجارة الحرة الثلاثي، مؤكدًا كذلك أنه إيمانًا من مصر بضرورة تحقيق التكامل الإقليمي بين الدول الإفريقية، كخطوة على طريق حلم الوحدة الإفريقية والسوق القارية المشتركة، فإننا نؤكد الاهتمام البالغ الذي نوليه لمشاركة الأشقاء من قادة دول "الكوميسا" في القمة الثالثة للتجمعات الاقتصادية الإفريقية الثلاثة، والتي من المقرر أن تستضيفها مصر في النصف الثاني من العام المقبل 2013، وتتزامن مع احتفال قارتنا بمرور 50 عامًا على إنشاء منظمة الوحدة الإفريقية.

 

ونقل أسامة صالح في نهاية الكلمة دعوة القيادة السياسية في مصر لقادة ورؤساء دول وحكومات دول الكوميسا لزيارة مصر والمشاركة الفاعلة في هذه القمة، من أجل متابعة نتائج القمة الثلاثية الأخيرة، والتي عقدت خلال عام 2011 بجوهانسبرج، مؤكدًا ثقة مصر قيادةً وحكومةً وشعبًا بأن قيادة فخامة الرئيس "يوري موسيفيني"، رئيس جمهورية أوغندا، لهذه القمة سوف يكون لها بالغ الأثر في أن تنتهي أعمالها إلى نتائج وقرارات تحقق آمال شعوبنا، وتلبي تطلعاتها، وترتقي لطموحاتها، وتسهم في دفع مسيرة العمل المشترك داخل تجمع "الكوميسا"، وذلك انطلاقًا من مبادئ وحدة الهدف والمصير بين الأشقاء من أبناء القارة الإفريقية.