يبدو أن أزمة التأسيسية للدستور ستظل حاضرة إعلاميًّا وسياسيًّا، ولست أنكر حق أحد في أن ينسحب، ولا أن يعترض، ولا أن يناقش ما يطرح داخل الجمعية التأسيسية للدستور، ولا حق الاقتراح، فكل هذا حق مشروع ومطلوب، لكن المطلوب الأهم هنا: أن يحترم المنسحبون عقولنا، فلا نرى تصريحات متضاربة، ينفي بعضها بعضًا، لقد قرأت تصريحات المنسحبين، فوجدت فيها تضاربًا وتناقضًا واضحًا، ولن يكون دوري كقارئ لها سوى بيان هذا التضارب، دون تحليل أو تحيز لرأي ضد الآخر.

 

فالدكتور جابر نصار يصرح في جريدة (الوطن) بتاريخ 19/11/2012م يقول: (إدارة الجلسات كانت مستبدة وقامعة لا تسمح لأحد بالكلام)، ويلتقي معه في التصريح في العنوان فقط الأنبا قلته في اليوم السابع بتاريخ: 19 نوفمبر؛ حيث يقول في التصريح: (انسحبنا من التأسيسية لأن الجو العام بها غير ديمقراطي).

 

بينما ينفي هذا الكلام نفسه الأنبا قلته في نفس التصريح وفي نفس الجريدة بنفس التاريخ؛ حيث يقول: (كانت هناك حرية التعبير في الجمعية، وتم الاشتراك من فئات من الشعب والمرأة، ولكن الملاحظة واضحة أن هناك الكثير من القلق والخوف بعد أن اتجه البعض إلى إضافة مواد مثل المادة (220).

 

ويبين الأنبا قلته في نفس التصريح السابق: أن سبب انسحاب ممثلي الكنائس هو: (هناك ملاحظة تمت مؤخرًا بإضافة المادة (220) والتي تصلح في مواد دراسة الفقه واللاهوت والدين، وهي لا يمكن أن يتم وضعها في الدستور ويتم شرح الشريعة فيها).

 

بينما ينشر اليوم السابع بتاريخ 17 نوفمبر 2012 وثيقة التوافق الموقع عليها من القوى المدنية والإسلامية والأزهر، والكنيسة بالتأسيسية، والتي فيها النص على المادة (220) والتي نصها: (مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة)، وتوافقوا عليها بتاريخ: 3 نوفمبر، بتوقيعاتهم، وقد نشر اليوم السابع صورة عن الوثيقة بخط اليد والتوقيع.

 

وهناك وقفة مهمة: بأي وجه حق يعترض الأنبا قلته، ولا أدري هل اعترض معه ممثلو الكنائس أم لا، على مادة تخص المسلمين فقط، ولا تخص المسيحيين من قريب أو بعيد، فمن المتفق عليه في الدستور وشعبيًّا: أن للمسيحيين مادة خاصة بهم، وهي المادة الثالثة ونصت على: (أن مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لشئونهم وأحوالهم الشخصية واختيار قيادتهم الروحية)، فهل كان سيقبل من أي فصيل إسلامي أن يتدخل في هذه المادة، أو أن ينسحب لأجل هذه المادة؟! هذا أمر عجيب بحق، يحتاج لإعادة النظر في توجهات المنسحبين، وحتى الليبراليين والعلمانيين، ما دخلهم بهذه المادة وقد وافقوا عليها، وإن لم يوافقوا، ألم يرتضوا الأزهر حكمًا؟ فليحكم الأزهر فيها برأيه، وينتهي الأمر، لكن أن نظل ننطلق في فراغ، وكلما حدث توافق على أمر نرجع فننقضه من جديد، وعلام كان توقيعكم على هذه الوثيقة المنصوص فيها على المادة؟! إذا كنتم ستلعقونها مرة أخرى، ونرجع للتراشق الإعلامي، وقول الكلام ونقيضه؟!

 

وما معنى طلب الدكتور أيمن نور بحسب جريدة الوطن بتاريخ 19 نوفمبر، بأنه يطلب من الرئيس مد العمل في التأسيسية لشهر أو شهرين، للانتهاء من الدستور، هل الأزمة هنا في إدارة التأسيسية، أم في المواد التي تكتب؟ أم في طريقة أدائها، وهل سيختلف الأداء وتكون التأسيسية جميلة ورائعة وزي الفل لو امتد عملها لشهر أو شهرين؟ إذن الاعتراض ليس على تكوينها، ولا على أدائها، إنما الاعتراض على المدة، وأن ينجز الدستور، وتتم انتخابات تشريعية، وتسير الأمور، هل بذلك يفصح المنسحبون عن غرضهم، بأن المسألة هي إدخال البلد في مزيد من الدوامة السياسية، وغياب المؤسسات التشريعية في الدولة؟ وعدم وجود مجلس يراقب أداء الحكومة، أم هو مد لحبال الإهمال في البلد والفوضى التي نصبح ونمسي عليها، ولو كانت المسألة مسألة مدة ألا يكفي ستة أشهر تعمل فيها التأسيسية، لو كانت المسألة مسألة وقت للتوافق فلا أعتقد أن عاما سيكفيكم؛ لأن المسألة باتت مسألة شخصية أكثر منها مسألة مواد، بدلالة الاعتراض على الجمعية من أول يوم، وليس الاعتراض على المنتج بل صار على التركيبة، والنسبة، والإسلاميين، وهذا معناه أننا لن ننتهي من الدستور مطلقًا، إلا لو تشكل على هوى المنسحبين!!

------------------------

* Essamt74@hotmail.com