المستشار أحمد الزند كان ومازال يثير جدلًا في الساحتين القضائية والسياسية المصرية، قبل الثورة وبعدها. كان الزند قبل الثورة من المحبوبين ذوي الحظوة لدى مبارك.

 

ومن موقعه كرئيس لنادي القضاء أدى خدمات جليلة للمخلوع. كان المخلوع يقف من استقلال القضاء موقفًا معاديًا، لأنه لم ينس وقوف الكثيرين منهم ضد الإشراف الشكلي على الانتخابات وضد تزوير انتخابات 2005. استطاع الزند من موقعه في النادي أنْ يَشلَّ مشروعات استقلال القضاء. وانقسم القضاة لتيارين أحدهما فريق الزند ضد مشروع قانون استقلال السلطة القضائية، والتيار الثاني يتبنى مشروع قانون استقلال السلطة القضائية. ومن ثم تم استقطاب القضاة على خلفية مشروع استقلال القضاة، وبالتالي فشل مشروع استقلال السلطة القضائية لوقوف الزند رئيس النادي ضد هذا المشروع. ولم يحرك ساكنًا أيام المخلوع عندما أنشئت لجنة فض المنازعات، كما سكت عن إهانة القضاة أمام دار القضاء العالي. وكان الزند فرس الرهان الكاسب للمخلوع.

 

وأخيرًا خرج علينا الزند في يوم الخميس الموافق 8/11/2012 ببيان أثار جدلاً واسعًا. هاجم اللجنة التأسيسية ووصف مسودة الدستور بأنها عبث. واعترض بعنف على مادة تُحَدِّد مدة عمل النائب العام أربع سنوات غير قابلة للتجديد، وتَحَدَّى قائلاً إنَّ المستشار عبد المجيد محمود لن يرحل قبل عام 2016، كما رفض نزول سن تقاعد القضاة إلى 65 عامًا، ورفض إنشاء نيابة مدنية كإحدى الهيئات القضائية. ثم هدد الزند بعدم إشراف القضاة على استفتاء الدستور إلا إذا استجابت الجمعية التأسيسية لوجهة نظره.

 

هل يجوز أنْ يكون النائب العام غير محدد المدة، مع أن قِمَّة الدولة رئيس الجمهورية محدد المدة؟ هل النائب العام بمجرد تقلده منصبه يصبح نبيَّا من الأنبياء لا يجوز خلع نبوته؟ رئيس الجمهورية مدته أربع سنوات بعدها ينافس لمدة أخرى فقط في الانتخابات. لماذا نضفي على النائب العام قداسة؟ هل تريد يا زند تفصيل الدستور بحيث يظل المستشار عبد المجيد محمود إلى الموت أو ثورة شعبية عارمة ضده أو بلوغه سن التقاعد؟ دستور تفصيل على مقاس الزند والمستشار عبد المجيد. يا زند لقد تم خلع مبارك وباقي آخر الحبايب في السلطة المستشار عبد المجيد محمود. وأنت تعرف جيدًا أنَّ النائب العام المستشار عبد المجيد محمود كان محل ثقة المخلوع.

 

التهديد بعدم الإشراف على الاستفتاء على الدستور، هل له سند قانوني أو أخلاقي؟. نصت (المادة 39) من الإعلان الدستوري على (تتولى لجنة عليا ذات تشكيل قضائي كامل الإشراف على الانتخاب والاستفتاء، بدءًا من القيد بجداول الانتخاب وحتى إعلان النتيجة. وذلك كله على النحو الذي ينظمه القانون. ويجري الاقتراع والفرز تحت إشراف أعضاء من هيئات قضائية ترشحهم مجالسها العليا ويصدر باختيارهم قرار من اللجنة العليا). ووفقًا لتلك المادة فإنَّ الإشراف القضائي على استفتاء الدستور يمثل واجبًا أخلاقيًّا وقانونيًّا يضْطلِّع به رجال القضاء. أليسَ الامتناع عن الإشراف القضائي ابتزازًا للدولة؟.

 

ومن ناحية أخرى، فإنَّ تعطيل الاستفتاء يمثل خيانة للوطن وللقَسَم الذي أقسم عليه القضاة باحترام القانون. هل يجوز لكل من يعمل في موقع ما في الدولة أنْ يتخلف عن واجبه عمدًا بحجة أنَّ له وجهة نظر ما في الدستور. ببساطة كل أفراد الشعب إذا اقتدوا بمسلكك يا زند– وأنت رجل قضاء– لرفضوا أداء واجباتهم وأعبائهم الوظيفية لحين تلبية وجهات نظرهم في الدستور. ومستحيل طبعًا تلبية طلبات كل فرد على حدة في أي مشروع للدستور. أليست هذه بلطجة؟. لو أنَّنَا أخذنا بهذه البلطجة في فرض الرأي لوصلنا إلى انهيار الدولة ويصبح من المتوقع رجوع المخلوع من الشباك يا سيادة المستشار. اتق الله يا زند. فإن هذا الأسلوب في التعبير عن رأيك ورأي غيرك في الدستور سيؤدي إلى الفوضى وسنرجع لعالم الغابة وهذا سَيُدَمِّر مؤسسات الدولة وأولها القضاء. هل مسلكك في هذه الحالة يعني أنك حريص على استقرار الدولة أم تسعى لمصالح شخصية؟. هل مسلكك في هذه الحالة يعني أنك حريص على مصلحة القضاء أم تريد تدمير المجتمع والعودة لما قبل الثورة. يجب أنْ تكون الوسيلة بقدر نبل الغاية، فالغاية النبيلة تستلزم وسيلة نبيلة.

 

لقد وصف الكاتب الصحفي حمدي قنديل، تهديد المستشار أحمد الزند، بعدم إشراف القضاء على الاستفتاء القادم، بأنه ابتزاز رخيص يثير الدهشة عندما يصدر عن قضاة مصر.

 

لقد شهد شاهد من أهلها. نسوق لك أمثلة: "ائتلاف مستشاري النيابة الإدارية"، "قضاة من أجل مصر"، والمستشارون: أسامة ربيع، رئيس محكمة استئناف القاهرة وسامح عبد الله رئيس محكمة الاستئناف بالإسكندرية، وأحمد كشك نائب رئيس هيئة قضايا الدولة، وعماد أبو هاشم رئيس نيابة النقض وغيرهم الكثير، أعلن هؤلاء القضاة رفضهم كل ما جاء على لسان الزند جملة وتفصيلاً بشأن التلويح بالامتناع عن الإشراف القضائي على الاستفتاء على الدستور الجديد، وأكدوا أنَّ هذا الإشراف لا يقل قداسة عن دور القضاة في تحقيق العدل بين الناس، وأشار الكثيرون منهم إلى موافقتهم على: نزول سن تقاعد القضاة إلى 65 عامًا، ودعم مقترح إنشاء النيابة المدنية، بل أبدى بعض القضاة استغرابهم من رفض الزند مقترح إنشاء النيابة المدنية رغم أنه كان من قبل من مؤيديه.

 

وأخيرًا أقول لكل من الزند والوطن والرئيس ما يأتي:
- أقول للمستشار الزند، لماذا تحرص أنْ تكون مادة للجدال في كل مناسبة؟ هل لديك خصومة وثأر مع الثورة؟ يجب أنْ نغلب مصلحة الوطن على مصالحنا الشخصية، والدفاع عن صالح المجتمع أولى من مصلحة الصديق والخليل، كما أنَّ المخلوع لن يرجع فقد طوى المجتمع صفحته، والرِهان على عودته رهان خاسر، وأن أصفياء المخلوع لا يجوز لهم استخدام "مصلحة القضاء" شماعة لمآربهم.

 

إنْ تعطيل الاستفتاء هروب من رأي الشعب الذي يحكم القضاء باسْمِه، الالتزام بروح ونص القانون من أخلاقيات وواجبات القاضي، وليس كرمًا ونفحة منه، الحقوق يقابلها واجبات، إنَّ تعطيل إرادة الشعب من خلال تعطيل الإشراف على الاستفتاء أكثر خطرًا وبلطجة وقبحًا من غلق المصانع أمام العاملين. ماذا بقي لمن لم يدرسوا القانون سيادة المستشار الزند؟
- وأقول لبني وطني: لقد خَلَّف لنا المخلوع شخصيات اسودت الحياة في عيونهم بعد رحيل باباهم المخلوع، ومن ثَمَّ يقف هؤلاء بالمرصاد لأي تقدم لهذا البلد نحو المُؤَسَّسِية؛ لأنها ستدمر مصالحهم الأنانية القاصرة، ومن ثم فإن معركة الدستور تمثل أهم المعارك الحاسمة في ردم ذلك العهد البغيض، وإن غدًا لناظره قريب.

 

- وأقترح على الرئيس أنْ يتم تعديل هذا النص من الإعلان الدستوري وأنْ يشارك أساتذة الجامعات مع رجال القضاء وغيرهم في الإشراف على الاستفتاء على الدستور القادم، ومجازاة المقصر في هذا الواجب الوطني.

 

------------

الأستاذ بكلية التربية جامعة سوهاج