1- استهلال: شهادة تركية
لم تكن الشهادة التي صرَّح بها السيد رحب الطيب أردوغان المتضمنة عمق العلاقات المصرية التركية هي الأولى، ولن تكون الأخيرة بطبيعة الحال لأكثر من اعتبار.
|وقد سبق منه أيضًا أن قال: "تتبوأ العلاقات التركية المصرية مكانةً متميزةً فقد عاش الشعبان جنبًا إلى جنب سنوات طوال وكأنَّ القدر قد جمعهما على مصيرٍ واحد وتنفسوا جوًّا دينيًّا وفكريًّا واحدًا وتقاسموا قيم حضارة واحدة، وكافحوا من أجل نفس القيم الإنسانية الرفيعة" كان ذلك 2006م في تقديمه لكتاب: الأتراك في مصر وتراثهم الثقافي للدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو ترجمة: صالح سعداوي ص 13 دار الشروق بالقاهرة 2011م.
وها هو ذا يعود اليوم لتفصيل القول فيما جاء عابرًا في العبارة المنقولة منذ قليل.. جاء الرجل إلى القاهرة ليعلن تفصيلات الروابط وتقديره لها من جامعة القاهرة يوم السبت الثالث من المحرم 1434هـ الموافق السابع عشر من شهر نوفمبر 2012م.
2- دلالات الزيارة، قراءة في الأبعاد المكانية والزمانية:
إن تأمل هذه الزيارة على الرغم من أنها ليست الأولى لمصر بعد ثورة 25 يناير يفضي إلى الخروج بعددٍ من العلامات المهمة التي يدعمها دراسات تحليل الخطاب من أهمها:
أولاً- تأكيد تعديل مسارات الطريق التي تنتجها مصر بعد ثورة شعبها العظيم في 25 يناير، وهو التعديل الذي طال ما يلي:
أ- الرؤية، بحيث صارت العلاقات المصرية التركية، وهي علاقات إسلامية بديلاً في التراتب عن غيرها من العلاقات ولا سيما إذا تذكرنا أن خطاب أوباما من نحو ثلاث سنوات كان من المكان نفسه، وفي سياق سياسي مختلف.
ب- إن حرص مصر الثورة، ونظامها الجديد أرادا بهذا الاستثمار وللمكان توصيل رسالة مهمة تتعلق بتخالف خريطة العلاقات المصرية مع القوى المحيطة وتقديم القوى المنتمية للحضارة الاسلامية على غيرها في قوائم ترتيب أطراف العلاقات.
وهي الرؤية التي يدعمها اختيار توقيت الزيارة على رأس السنة الهجرية بما هي رمز جبار لأكبر تغيير في مسار الفكرة الإسلامية تاريخيًّا.
5 أطراف العلاقة
إن عودة العلاقة قوية فاعلة مثمرة بين مصر وتركيا يدعم البنية الثقافية والحضارية التي طالما حكمت الدولتين، وهو ما بدا واضحًا في محددات هذه العلاقات في خطاب الرجل.
ج – تأكيد حاجة المؤسسات المصرية العريقة إلى ادراك أبعاد تعديل المسار
3- الرؤية التركية للمسيرة المصرية بعد الثورة
إن تحليل خطاب رئيس الوزراء التركي يقود إلى أن التخطيط الإستراتيجي لمصر الثورة ينبغي أن يضع في الحسبان مجموع المحددات التالية:
أولاً – دعم محددات الهوية:
لقد أفاض الرجل في الجوامع المشتركة التي تربط بين مصر وتركيا فأشار إلى التاريخ المشترك والثقافة الواحدة والمحددات الجغرافية المشكلة للطبيعة الشخصية لسلوك المصريين والأتراك معًا المستمدة من نهر النيل ونهر الفرات والمجتمع الزراعي والبحر الأبيض المتوسط والدين الواحد والتقارب اللغوي.
ثانيًا– استمداد قيم الثورة المصرية من المصادر المحلية التي غذَّتها الثقافة الإسلامية حتى وصل إلى أن يقرر ما يلي:
أ- أن الحرية لب حضارتنا.
ب- وأن الإنسان وكرامته أصل ثابت من أصول حضارتنا.
ج- وأن العدالة ركن من أركان تصورنا الإسلامي.
د- وأن المساوة أصل أصيل عندنا.
وفي هذا السياق يبرهن رجب طيب أردوغان على ذلك بما يسوقه من نصوص المرجعية الإسلامية؛ حيث استشهد في سياق تأصيل مبدأ المساواة بالحديث الشريف: "لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى".
وإذا كان أساتذة التاريح والحضارة والسياسة يقررون أن الإصلاح ينبغي أن يكون صناعةً محليةً فإن أردوغان يقرر بعباره واضحةً تمامًا: أن الإصلاح صناعة محلية ولسنا في حاجةٍ إلى نموذج مستورد"، وهي رؤية حضارية ثاقبة يدعمها الفحص العلمي لمسألة الإصلاح يقول طارق البشري في تقديمه لعدد الإصلاح في الأمة من كتاب أمتي في العالم 2006م ص7: "إن أول شروط الإصلاح الحقيقي هو أن يكون صناعة محلية صرفًا في حالة الأوطان القطرية وصناعة حضارية واعية في حالة الكيان الأشمل؛ الأمة ومن ثم يتشكل هذا الإصلاح في ممارساته وإجراءاته ثم في تكوينه من المادة الوطنية والحضارية دون غيرها".
وهذا الذي يدعو إليه أردوغان المصريين لم يأتِ من باب التعصب للفكرة الإسلامية تعصبًا عاطفيًّا غير مبرر وغير خاضع لقراءات التجارب الحية المعاصرة، وإنما جاء بعد تجربة تركية مريرة قاسية استوردت فيها النموذج الغربي في الإصلاح فكان وبالاً عليها في فترات سابقة مما كان له تأثيره في التحول إلى الإصلاح وفق النموذج الوطني الذي يستمد قيمته من الحضارة الإسلامية.
ومصر مدعوة الآن أن تتبنى نسقًا إصلاحيًّا نابعًا من الذات ومرويًا بماء هويتها؛ ذلك أنه على حدِّ تعبير طارق البشري: "قد تبيَّن لنا من تجارب الإصلاح ومحاولاته عبر القرنين الأخيرين كيف كانت الفكرة ذاتها عند نقلها من بيئتها إلينا تتخذ وضعًا فاسدًا".
وأن أرجو جماعات العلمانيين والليبراليين واليساريين المصريين أن يعوا صوت الرجل، ويسعوا إلى تهيئة أجواء الاستقرار بعيد المدى؛ لأنه شرط من شروط نهضة مصر.
إن مصر قادرة بإذن الله تعالى على النهوض لامتلاكها مصادر طاقة حضارية كامنة، ولامتلاكها جيلاً ممتدًا ضخمًا من الشباب يمثل أكثر من نصف سكانها.
عاشت مصر حرةً أبيةً عزيزةً ماجدة.
--------------
* كلية الآدابـ/ جامعة المنوفية