تُصرُّ القيادة الصهيونية على تأزيم المواقف وإشعال الحروب والفتن وإهدار كل الفرص المتاحة للتهدئة أو للسلام كلما أتيحت، وهم بذلك يدللون على صدق واقعهم التاريخي وسمتهم المميز الذي عبر عنه القرآن الكريم "كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ"، فهم يسعون في الأرض فسادًا وقتلاً وتشريدًا وانتهاكًا للحقوق والحريات وللقانون والأعراف وهذا كله تحت ادعاء تحقيق السلام والأمن "واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ".

 

والتاريخ الدموي والعنصري للكيان الصهيوني غير بعيد على أحد، فأيديهم جميعًا ملطخة بدماء شهدائنا الزكية عبر التاريخ. والمجازر التي حدثت في فلسطين منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى الآن فوق الحصر أو الوصف، بل إنهم يفخرون ويتباهون بما اقترفته أيديهم في حق العزل من أبناء فلسطين الحبيبة، إن ما يحدث على أرض غزة ليس بمستغرب على بني صهيون؛ فقد أخبرنا القرآن الكريم أنهم:

 

- يُشعلون أوار الحروب ويُفسدون في الأرض "كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ"(المائدة:64).

 

- يقتلون الأنبياء والدعاة والمصلحين: "وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ" (آل عمران:21).

 

- ناقضو العهود "الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ" (الأنفال:56).

 

- خونة "وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ" (المائدة:13).

 

- جبناء "لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ" (الحشر:14).

 

فهكذا وصفهم القرآن الكريم وهكذا يعلمهم كل عربي ومسلم محب لوطنه ومدافع عنه وعن قضاياه وكل مدافع عن الحق والعدل والمساواة من أحرار العالم.

 

ومن الواضح بجلاء أن الصهاينة يحاولون تكدير أجواء المنطقة وجر المنطقة إلى عدم الاستقرار وإحداث وتصدير أزمات لدول الربيع العربي للمساهمة في جهود مقاومة الإصلاح الحقيقي في المنطقة والقائم على دعائم أهمها إعلاء إرادة الشعوب وتعظيمها وعدم الالتفاف عليها أو التهوين منها، فضلاً عن تجاهلها أو إهدارها.

 

فعلى الكيان الصهيوني أن يعرف أن المنطقة قد تغيرت وقيادتها أصبحت تنفذ رغبات شعوبها التي تأبى الظلم والطغيان وسفك الدماء، وأن القيادات الجديدة هي كنوز إستراتيجية لشعوبها وفقط وأنها تسعى لنيل رضاها وتحقيق آمالها وطموحاتها.

 

وبرهان ذلك قرار مصر بسحب سفيرها والدعوة لجلسة عاجلة لمجلس الأمن ولمجلس وزراء الخارجية العرب؛ لمناقشة الأمر واستدعاء سفير الكيان في القاهرة لإبلاغه احتجاج مصر ورفضها لسياسة الاغتيالات والاعتداءات المتكررة على شعبنا في غزة الحبيبة، فمصر الآن هي القلب النابض لأمتنا العربية والإسلامية وهي حاملة راية الدفاع عن حقوقهم المشروعة ولن تقبل بعد الآن بالمساس بتلك الحقوق، تحت أي دعوة أو وفق أي تبرير.

 

فللمرة الأولى منذ عشرات بل مئات السنين تتوافق إرادة الشعب مع إرادة الحكام المنتخبين بإرادة شعبية حرة ونزيهة والمعبرين عن شعوبهم والمنحازين لهم ولرؤاهم وليس لمصالح شخصية أو حسابات مهينة تهدر الكرامة والعزة والأوطان وحقوقها، وللمرة الأولى تحقق الإدارة السياسية رغبات شعبها بلا ضغوط شعبيه متكررة، فالأهداف والإستراتيجيات والرؤى واحدة والكل يدرك مهامة وواجباته.

 

إن الحكام الآن منفذون لإرادة الشعوب وليس العكس كما كان يحدث من قبل، فعلى قيادات الكيان الصهيوني إدراك ذلك والتعامل وفق تلك القواعد الجديدة التي صنعتها الشعوب بدماء الشهداء وتضحيات الرجال من أبنائها.

 

إن سياسات القتل والتدمير التي يجيدها الصهاينة لن تؤدي لسلام ولا لبناء ولكنها ستزيد من عزلتهم ومن معدلات انهيارهم وزوال جبروتهم، فالشعوب للآن رافضة لهم ولسياستهم وإن كان قد غرهم تواطؤ بعض القيادات معهم لعدة سنوات، فها هي الشعوب الواعية تعلن من جديد- كما أعلنت من قبل وفي ظل وجود أنصار الكيان على كراسي الحكم- عن رفضها التام والمطلق للكيان وسياساته وقياداته ولأي صورة من صور التطبيع معه.

 

فالإرادة الحقيقية والدائمة هي إرادة الشعوب وليس إرادة الحكام، فعلى من يريد السلام والاستقرار للمنطقة وللعالم أن يحقق طموحات الشعوب وينفذ رغباتها ولا يغتر بمواقف وآراء بعض الحكام المزيفين والغاصبين لإرادة شعوبهم.

 

إن على كل الشعوب والحكومات القيام بدورها لحماية الدم الفلسطيني والحقوق الفلسطينية واتخاذ الإجراءات الحاسمة والناجعة للحفاظ على ذلك، وكما نثمن القرارات الرئاسية المصرية فنحن كشعوب عربية وإسلامية في انتظار المزيد من القرارات المشابهة من بقية الدول والهيئات لدعم الحقوق الفلسطينية.

 

وعلى الشعوب العربية والإسلامية الإعراب عن غضبتها العارمة من تلك السياسات الصهيونية المتكررة ومقاطعتها لكل منتجات الدول الداعمة للكيان والحامية له، وأن تضغط على صانعي القرار في مختلف الدول والهيئات للانحياز لرغبات الشعوب وحماية دماء أهلنا في فلسطين الحبيبة.

 

لقد آن الأوان لإنجاز مصالحة فلسطينية حقيقية ودائمة ومغلبة لمصالح الشعب الفلسطيني ولحقوقه المشروعة ومبتعدة عن المصالح الحزبية والضيقة والزائلة، فحين تسال الدماء وتنتهك الأعراض وتغتصب الأرض لا مجال للحديث عن مصالح حزبية هنا أو هناك، فالدماء والأعراض والأرض والأهل أغلى من كل ما على وجه البسيطة.

 

لقد من الله على الشهداء الكرام بنيل الشهادة والارتقاء على سلم المجد والفخار، ويبقى كل فرد منا منتظر دوره إما أن يسير في قافلة الشهداء والعظماء الذين يسجلون أسماءهم وتاريخهم بأحرف من نور في التاريخ ابتغاء مرضاة ربهم، وإما الأخرى والعياذ بالله.

 

لقد خطت مصر الجديدة- قيادة وشعبًا– خطوات جادة لنصرة إخواننا في فلسطين الحبيبة ويتلوها خطوات بإذن الله داعمة للشعب الفلسطيني وقضيته وحقوقه، وفي انتظار المزيد منها ومن بقية الدول ليعلم الكيان وقادته أن المنطقة قد تغيرت وأن دماء إخواننا ليست رخيصة علينا.

 

ليؤد كل فرد منا دوره ولتقم كل جهة بأداء واجبها نصرة لفلسطين وأهلها ابتغاء لله وإعذارًا له ولنبذل غاية الجهد والوسع في ذلك، ولننصر الله في ذواتنا وفي واقع حياتنا ليتحقق فينا قول الله عز وجل "وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ" (الحج:40).