شغلت قضية تطبيق الشريعة الإسلامية اهتمامات الشعب المصري قديمًا وحديثًا، أفرادًا وجماعات وأحزابًا وقوى سياسية ودينية واجتماعية، في داخل البلاد وخارجها وعلى الصعيد المحلي والدولي؛ ذلك أن الشعب المصري متدين بطبعه يحب الدين ويقدسه، وقد عبَّر عن ذلك كثيرًا وكلما أتيحت له الفرصة نادى بأن تكون الشريعة الإسلامية محل احترام الجميع واعتباره، وأن تكون أحكامها محل الأخذ والعمل والالتزام من الكل، وأن تكون مبادئها المرجعية العليا للبلاد والعباد في شتى مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وكل شئون الحياة.

 

وهي قضية شعب يدرك جيدًا أن الفهم الصحيح الوسطي المعتدل للشريعة الإسلامية هو الذي ساد الشعب المصري عدة قرون مضت، ومن ثمَّ فثقة الشعب اليوم تتجه لهذا الفهم الوسطي، بعيدًا عن الغلو أو التطرف أو التشدد الذي لا يتفق مع صحيح فهم الإسلام ولا يتوافق مع طبيعة الشعب المصري. وهو يدرك جيدًا ماذا يعني أن تكون الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع؟
- يعني... إقامة مجتمع الحرية وأن يكون كل مواطن حرًا كريمًا في وطن حر كريم "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا".

 

- يعني... إقامة مجتمع العدالة وسيادة العدل وأن يكون الجميع سواء أمام القانون وسيادة القانون "والذي نفس محمد صلى الله عليه وسلم بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".

 

- يعني... إقامة مجتمع متحضر وتعليم متقدم وبحث علمي متطور: مدرسة وجامعة ومعملاً ومركزًا يعيد لمصر قوتها وعزتها ويعيدها لمكانتها بين الأمم.

 

- يعني.. اقتصادًا قويًّا يحقق حد الكفاية للجميع ويحقق تحسين مستوى المعيشة، ليس للإنسان فحسب، بل لكل المخلوقات، لقد فعلها من قبل عمر بن عبد العزيز حين أمر عماله أن ينثروا الحَبَ والذرة على قمم الجبال ليأكل منها الطير، وهو يقول: "لا يجوع طائر في أمة محمد صلى الله عليه وسلم".

 

- يعني.. المجتمع الآمن الملتزم؛ حيث تنخفض الجريمة ويقل المجرمون وتحارب البلطجة والإجرام.

 

- يعني.. سير المرافق العامة للدولة على الوجه الحسن؛ حيث إن العاملين والقيادات يخشون الله تعالى قبل القانون ووجود الرقابة الصارمة ونظم محاسبة قادرة وعدالة ناجزة، حتى ينطلق كل إنسان ليؤدي دوره، يعمل وينتج ويربح ويحيا حياة كريمة.

 

- يعني.. وحدة الأمة وعدم التمييز بين المواطنين بسبب العقيدة- الدين- الجنس، ويضمن حقوق غير المسلمين سواء كانوا مواطنين أو أجانب.

 

- يعني.. تكريم المرأة وتأكيد حقوقها وكفالة ممارستها لحقوقها وإعلاء شأنها فهي ليست سلعة وليست دمية وليست خادمة، بل هي أم وزوجة وأخت وابنة وشريكة في البيت والأسرة والمجتمع، وقفت في ميادين الثورة والحرية، وتسعي إلى بناء الدولة الحديثة.

 

- يعني... حماية آمنة لشباب الأمة وتربيته وإعداده لحمل مسئولية مهام المستقبل فالشباب هم عماد الأمة وسر نهضتها وقوتها.
- يعني... حماية المهمشين والضعاف وذوي الاحتياجات الخاصة، وكفالة العيش الكريم لهم، فهو مجتمع لا يضيع فيه يتيم ولا يهان فيه ضعيف ولا يقهر فيه إنسان.

 

أود تأكيد أن الشريعة الإسلامية هي أحد أهم مكونات الشخصية المصرية وهي كذلك المقوم الأساسي للهوية المصرية عبر القرون الماضية حتى يومنا هذا، فهي للمصريين المسلمين دينًا وعقيدةً، وللمصريين غير المسلمين ثقافة وفكرًا وحضارة عاش الجميع في كنفها عدة قرون وأسهموا جميعًا في تكوين هذا الإرث الحضاري والتراث التاريخي الإنساني المتراكم طيلة القرون الماضية.

 

ولقد اجتمعت كلمة التيارات والأحزاب والقوى السياسية والدينية والاجتماعية المصرية (التي وقعت على وثيقة الأزهر الشريف) على أن تبقي الشريعة الإسلامية كما هي في الدستور الجديد وفقًا للمادة الثانية التي تنص على أن "مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع"، وأن تُضافَ مادةٌ جديدةٌ تُفسر المقصود بكلمة "مبادئ" حتى لا تتلغم مسيرة الحياة السياسية والتشريعية في المستقبل، وقد تم الاتفاق على إضافة مادة تنص على الآتي:

 

"مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية، ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة"، وهذه المادة الجديدة المضافة تفسر المقصود بلفظة مبادئ الشريعة التي ثار جدل كبير حولها، وهل هي كافية لإفساح الطريق أمام تطبيق الشريعة الإسلامية بكل أنظمتها ومجالاتها العامة من أجل تحقيق مقاصد الشرع وإسعاد البشر في الدنيا والآخرة، وكذلك تسد الباب أمام محاولات الالتفاف على المادة الثانية من الدستور تعللاً بأن للمحكمة الدستورية العليا تفسيرًا للمقصود بالمبادئ بأنها هي الأحكام الشرعية قطعية الثبوت قطعية الدلالة، ومن ثمَّ تكون المادة الجديدة التي تفسر المقصود بالمبادئ قد حسمت الموقف وحددت المقصد ورفعت سقف البحث والاجتهاد، أما السلطة التشريعية وهي تمارس وظيفتها في سن القوانين ووضع التشريعات.

 

كما تمَّ التوافق على إضافة مادة أخرى تقرر وجوب احتكام المصريين غير المسلمين من المسيحيين واليهود لمبادئ شرائعهم فيما يتعلق بالتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية وشئونهم الدينية واختيار قياداتهم الروحية، أما ما سوى ذلك من أمور فيسري عليهم ما يسري على كل المصريين من أحكام القانون في باقي مناحي الحياة، وكل المواطنين المصريين أمام القانون سواء بلا تمييز بينهم بسبب الدين أو العرق أو الجنس.

 

وهذه المادة الجديدة إنما تقرر واقعًا قانونيًّا معمولاً به من قبل منذ عشرات السنين، وتعمل المبدأ القرآني العظيم: (فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ 42 وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) (سورة المائدة: الآيتان: 42، 43).

 

وليس في المادة جديد غير أنه تم الارتقاء بهذا الواقع القانوني إلى الأفق والمستوى الدستوري، والأمر لا يخلو من طمأنة لكل طوائف المصريين غير المسلمين، وقطع الطريق على مثيري الفتنة في البلاد، كما أنه يعبر عن ارتفاع سقف التوافق والمواطنة داخل الجمعية التأسيسية وما انعكس على المواد التي جاءت في مشروع الدستور الجديد.

 

أخيرًا تم الاتفاق على مادة ثالثة جديدة تتعلق بوضعية الأزهر الشريف في الدستور الجديد كونه هيئة إسلامية مستقلة، يُختص بالقيام بالدعوة الإسلامية ونشر علوم الدين ويؤخذ رأي هيئة كبار العلمــاء بالأزهر الشريف في الشئون المتعلقة بالشريعة الإسلامية.

 

مما سبق يتضح لنا أن مجموعة النصوص الدستورية المتعلقة بالشريعة الإسلامية كافية لبث الطمأنينة في نفوس الجميع، وأن الدستور الجديد يجمع أطياف الشعب المصري بكل تنوعاته الدينية والسياسية على نحو يحقق ما يتطلع إليه شعبنا الكريم ويلبي أهداف ثورته المجيدة، خاصة فيما يتعلق بقضية تطبيق الشريعة الإسلامية.

-------

* المحامي بالنقض والدستورية العليا