إنَّ عمل الخير، في كل مجالات الحياة من علم ٍوعمل ٍوكسب وربح وإنتاج وعلاقات ومعاملات وغيرها، هو أمرٌ سَهلٌ مُسْعِد، لأنه مُتجاوب مُتجانس مع فطرة العقل التي بَرْمَجَها خالقها على السعادة بذلك، بينما عمل الشر صعبٌ مُتعِسٌ لأنه يُصادِم ويُعاند وُيعاكس هذا.

 

ثم الاستزادة منه والاستمرار المُتصاعِد المستقبليّ فيه، يجعل الحياة كلها خيرًا في خير ونورًا على نور وسعادة إلى سعادة، بحيث يَصِل الأمر لئلا يتَّسِع الوقت أًصلاً لأيِّ مساحة ٍمن عمل شر! فيسعد المسلم بحياته الدنيوية سعادة تامَّة، ثم أتمّ وأخلد بحياته الأخروية، كما أراد ربه خالقه له هذا، بل خلقه في الأصل من أجله.

 

 

 د. محمد منصور

يقول تعالي موصيًا بذلك: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (الحج: 77)، قال الإمام السعدي في تفسيره: ".. علقّ تعالي الفلاح على هذه الأمور، فمَن وُفقِّ لذلك فله، السعادة والنجاح والفلاح..".

 

لكنَّ ضمان الاستمرار على عمل الخير في المستقبل وطوال الحياة له أسبابه ووسائله، مَن اتخذها، ضمن واطمأن، ومن لم يتخذها، قلِقَ واضّطرب.. أهمها:

 

أولاً: البدء بالقليل والأسرع والأخفّ على النفس وترغبه وتقدر عليه والمتوسط المُعتدِل من عمل الخير، كما هي نصيحة الرسول صلى الله عليه وسلم: "خذوا من الأعمال ما تطيقون.." (جزء من حديث رواه البخاري ومسلم)، ووَصِيَّته لمَّا سُئِلَ عن أيّ العمل أحبّ إلى الله قال: "أدْوَمه وإنْ قلَّ" (جزء من حديث رواه البخاري ومسلم)، حتى ولو كان مجرَّد ذكر ٍواستغفار ٍواستحضار ٍلنوايا الخير بالعقل مع كل عمل ٍيُعمَل بصورة طبيعية يومية ويُغفل عنه أنه من أعمال الخير من كثرة وروتينية فِعْله كالطعام والشراب واللباس والعمل والعلم والعلاقات الإنسانية الحسنة ونحو ذلك.

 

إنَّ هذا البَدْء بالخفيف المُتدَرِّج لابُدَّ منه، لأنه لا يُتوَقعّ حلول فضل الله بالاستمرار في فعل الخير والزيادة فيه دون بَدْء ٍمن المسلم ذاته لأنه تعالي: ".. إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ" (الرعد: 11)!!

 

فهذا البدء بالخير، مع عمله بإحسان ٍوإتقان، لا شك حتما سيعقبه تدريجيًّا وتصاعديًّا مزيدٌ من عمل الخير؛ لأنَّ تركيبة فطرة العقل من خالقها تندفع لمزيد ٍمن الخير لمَّا تذوق سعادات الخير السابق لرغبتها استمرارية هذه السعادة مع نفورها من عمل أيّ شرّ لمَّا تري منه تعاسات تعكر صفو هناءاتها تلك.

 

ولأنَّ هذا هو وَعْد الله تعالى لكلّ مَن يُحسِن أن يزيده إحسانًا وعملاً للخير، كما يقول: "وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ" (الشورى: 23)، والذي فسَّره الإمام القشيري في تفسيره بقوله: "... ويُقال: الزيادة هي زيادة التوفيق في الدنيا..".. ثم لفظ "حسنة" يُفيد أيَّ حسنة ٍمهما صغرت أو حتى ندرت!

 

وكما يقول أيضًا: "سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ" (الأعراف: 161)، والذي قال فيه الإمام مقاتل في تفسيره: ".. زادهم الله إحسانا إلى إحسانهم.."، وقال فيه الإمام السعدي: ".. من خير الدنيا والآخرة..".

 

وكما يقول كذلك: "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ" (العنكبوت: 69)، والذي قال فيه الإمام حقي في تفسيره: "... وقال بعضهم.. لنزيدنهم هداية إلى سُبُل الخير وتوفيقًا لسلوكها، كقوله تعالي: "والذين اهتدوا زادهم هدي" وإن الله لمع المحسنين: بمَعِيَّة النصرة والإعانة والعِصمة في الدنيا والثواب والمغفرة في العاقبة..".

 

ولوعده سبحانه أيضًا في الحديث المعروف: "إذا تقرَّب العبد مِنِّي شِبرًا تقرَّبتُ منه ذراعًا.." (جزء من حديث رواه البخاري ومسلم)، والذي قال فيه الإمام ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري": " قال الخطابي: مضاعفة الثواب، ويحتمل أن يكون معناه التوفيق له بالعمل الذي يقرّبه منه" هذا، وهناك بعض أعمال خير ٍجاء فيها وعد صريح بالتوفيق لمزيد ٍمنها مستقبلاً لمن يعملها، مثل:

 

- صلة الأرحام، بالسؤال والزيارات والعلاقات الجيدة ونحوها، كما يُفهَم من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "مَن سَرَّه أن يُبسَط له في رزقه وأن يُنْسَأ َله في أثره فليَصِل رَحِمه" (رواه البخاري ومسلم) (يُنسَأ له: أي يُؤخَّر له في أجله، أي يطول عمره)، والذي قال فيه الإمام العيني في بعض معانيه في "عمدة القاري": "..... زيادة الأجل تكون بالبركة فيه وتوفيق صاحبه لفعل الخيرات وبلوغ الأغراض..".

 

- الشعائر عمومًا، كالصلوات والأذكار وقراءة القرآن ومثلها، فكلها من أسباب تسميتها شعائر أنها تحرك مشاعر الخير في العقل فتزداد قوة إرادته فينطلق قويًّا مُصَمِّمًا على كلّ خير، ليستفيد منه طمأنينة وهناء، كما يُفهم ضمنا من قوله تعالي بعد ذكره للشعائر بقوله: "ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ" (الحج: 32) قال: " لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ" (الحج: 33)، ومن المنافع بالطبع فِعل الخيرات!

 

- الصيام عمومًا، فهو يقوي الإرادة ".. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة: 183) ضد أيّ شرّ فلا تفعل إلا خيرا! خاصة صوم يوم عرفة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "صوم يوم عرفة يكفر سنتين: ماضية ومستقبلة.." (جزء من حديث رواه مسلم وغيره)، والذي قال فيه الإمام النووي في "المجموع: كتاب الصيام- باب صوم التطوع": "... قال السرخسي: اختلف العلماء في معني تكفير السنة الباقية المستقبلة، وقال بعضهم: معناه أنَّ الله تعالى يعصمه في السنة المستقبلة عن ارتكاب ما يحتاج فيه إلى كفارة"

 

ثانيًا: الحرص على الوجود دائمًا بالبيئة النشيطة الخيرية ذات الصحبة الصالحة؛ حيث الكلّ يعمل خيرًا ويحرص عليه، فكيف سيتواجد بينهم كسولٌ ِشرّير؟!! فهو إمَّا ينصلح حاله ويكون مثلهم، وهذا هو المؤكد المأمول ويثبته الواقع العمليّ كثيرًا وغالبًا، وإمَّا ينصرف عنه ويريحهم ! لكنهم هم سيستمرون في واجبهم بدعوته والدعاء له بالعودة للخير والانصلاح.. يقول صلى الله عليه وسلم مُنبّها لذلك ومُوصِيًا به: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم مَن يُخالِل" (رواه أبو داود).

 

ثالثًا: تنويع الأعمال وصور وأشكال وتوقيت أدائها، حتى لا يحدث المَلل والتراجُع، كما يُفهَم ضمنا من تقريره صبى الله عليه وسلم لقول سلمان الفارسي: "إنَّ لربك عليك حقا وإن لنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه (رواه البخاري)، ومن قوله أيضًا: ".. فإنَّ الله لا يملّ حتى تملوا..) (جزء من حديث رواه البخاري ومسلم).

 

رابعًا: حُسْن إدارة كل أعمال الخير المختلفة، بوضع الخطط المستقبلية لها وحُسْن توزيعها وجَدوَلتها على اليوم والأسبوع والشهر والعام والعمر كله إن أمكن، مع حُسن متابعة ذلك وتقييمه وتجويد الحَسَن وتقويم السيىء منها وعلاج أسبابه ونحو ذلك مِمَّا يحبّب للعقل فعلها ويعين على الاستمرار فيها وفِعل الكثير منها، يقول تعالي مُوصيًا بهذا: "وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ.." (الحشر: 18).

 

خامسًا: الاستحضار الدائم لنوايا الخير المستقبلي بالعقل عند كل مجالات الحياة المتنوعة، مع دوام استحضار مزاياه من راحة وسعادة وانتعاش في الدنيا وانتظار جميل لأعظم وأدوم ثواب في الآخرة بالمقابلة بمرارات وعذابات الشرّ فيهما، فهذا سيكون من الأمور المهمة التي ستُعين على دوام التفكير في الخير لا الشرّ والإصرار والتصميم الجادّ على فعله عند توفر أيّ فرصة.

 

إنَّ هذا هو الذي يُفهَم ضمنًا من قوله تعالي: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ.." (النساء: 136)، أي استمروا وبإصرار ٍوثبات، كما قال الإمام ابن كثير في تفسيره: "يأمر تعالي عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وِشُعَبه وأركانه ودعائمه، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه..".

 

وهو أيضًا الذي يؤكده قوله صلى الله عليه وسلم: "مَن هَمَّ بحسنة فلم يعملها ُكتِبَت له حسنة.. " (جزء من حديث رواه مسلم)، والذي قال فيه الإمام ابن رجب في "جامع العلوم والحِكم": "..... المراد بالهَمّ هنا هو العزم المصَمّم الذي يوجد معه الحرص على العمل، لا مجرد الخطرة التي تخطر ثم تنفسخ من غير عزم ولا تصميم..".

 

فهذا تشجيع ودَفع.. إذ شعور المسلم بأنه بمجرد استحضار نوايا الخير بعقله يحصل على كل هذا الخير في الداريْن بقدْر ما استحضر من نوايا سيدفعه بالتأكيد لفِعله وللاستمرار فيه والحرص عليه من أجل التنعّم بسعاداته وللبُعْد عن أيّ شرّ ٍحتى لا يتعس بتعاساته.

 

سادسًا: التقوى الدائمة، وهي اتِّقاء الوقوع في الأخطاء ما أمكن وإغضاب الله بذلك وهو الذي يحبب للإنسان فعل الخير دائمًا مع اتقاء نقصان حبه أو كراهيته أو نقصان درجات الجنة أو دخول النار أو نحو هذا من معاني التقوى المتعددة، والتي هي من الأسباب الرئيسة لضمان الاستمرار المستقبلي والدائم في عمل الخير، إذ كيف لمن يحاول أن يتَّقي ما استطاع أن يكون له أيّ مجال ٍلعمل أيّ شرّ؟!!

 

يقول تعالي ضامنًا ذلك: " وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا 2 وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ" (الطلاق: 2، 3 )، ويقول: "واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين" (البقرة: 194)، ويقول: "إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ" (التوبة: 4).. فمِنَ الرزق العمل الصالح ولاشك، ومَن كان أقوى الأقوياء معه ويحبه كان سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ورجله التي يمشي عليها ويده التي يبطش بها، كما وَرَدََ بذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم.. وكان بكل تأكيد ٍدائما ًفي خير ٍمستمرّ!

 

 سابعًا: سرعة الندم والتوبة والاستغفار والعلاج من الأخطاء والعيوب، لأن الذنوب مُقعِدَة عن الخير ومُبْعِدَة عنه، كما يُثبت الواقع ذلك كثيرًا وعلى الدوام، وكما يُفهَم ضمنًا من تحذيره صلى الله عليه وسلم لنا بقوله: " إنَّ العبد إذا أخطأ خطيئة، نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نَزَعَ واستغفرَ وتابَ سُقِلَ قلبه.." (جزء من حديث رواه الترمذي)، وقوله: "إنَّ الرجل ليُحرم الرزق بالذنب يُصيبه.." (جزء من حديث رواه ابن حبان وغيره)، ومِن حِرمان الرزق بسبب الذنوب الحرمان من عمل الخير!

 

إنَّ علاج العقل لعيوبه وأخطائه أوَّلاً بأوَّل ٍيُنقيّه من أيّ شوائب تعوقه فيُجَهَّز لحُسْن الانطلاق المستقبليّ لكلّ خير ٍفي كلّ مجالات الحياة، كما يُفهَم من قوله تعالي: "إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ" (هود: 114)، وقوله: "إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ" (الفرقان: 70)، والذي قال فيه الإمام الرازي في تفسيره: ".. يُبشّرهم بأنه يوفقهم لهذه الأعمال الصالحة فيَسْتَوْجبوا بها الثواب..".

 

ثامنًا: التفاؤل وعدم اليأس والإحباط، فالتفاؤل الدائم بالقدرة على عمل الخير في المستقبل سيدفع غالبًا لمزيد ٍمنه مستقبلاً، إذ هكذا تكون كيمياء العقل والجسم الفطرية من خالقها.. بينما التشاؤم يُغيِّرها ويُشتِّتها، فيكون غالبًا مُحِبطًا دافعًا للتراجُع، يقول تعالي مُوصيًا ومُنبِّهًا ومُحذرًا: "قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ" (الحجر: 56)، ويقول صلى الله عليه وسلم مشجعًا: " أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء" (رواه ابن حبان وغيره).

 

تاسعًا: الدعاء وطلب العون من الله وتوفيقه والتوكل عليه "وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ" (غافر: 60)، وهذا يكون أولاً وأخيرًا وأثناء العمل وقبله وبعده.. مع شكره تعالي بعد تأديته؛ حيث الشكر يزيده ويَنمِّيه ويُديمه، كما هو وعده سبحانه: "لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ" (إبراهيم: 7)، وتَرْك كلِّ زَهْو ٍوتَعَال ٍبه مُضِرّ ٍبالنفس وبالغير مُزيح ٍمُمْح ٍله "بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ" (القلم: 27)، مع دوام ذكره سبحانه باللسان والقلب والعمل، الأمر الذي لن يَدَع زمنا ًلذِكْر الشرّ أو فعله، فتتحقق الاستمرارية بعد ذلك تلقائيًّا وبكل سهولة.

 

فكن أيها الداعي إلى الله والإسلام مِمَّن يُدَاومون على فِعْل الخير ويُصِرّون على الاستمرار المستقبليّ فيه، ومِمَّن يدعون غيرهم لمثل هذا ويُبَصِّرونهم بأفضل وأنسب وأيسر وسائله تسعد ويَسعدون في الدنيا والآخرة.