نعيش اليوم آخر أيام العام الهجري, تمر ساعات قليلة ويزداد في عمر كل منا عام, عام جديد وعلى عملنا شهيد فلنستبق الخيرات ولنقدم لأنفسنا, ونحن نعيش ذكريات الهجرة ما أحرانا أن نتأمل هذا الحدث الخطير في تاريخ الدولة الإسلامية؛ حيث كانت الهجرة من مكة للمدينة إيذانا بميلاد وتأسيس هذه الدولة, مصدرنا القرآن والسنة وسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم والمتأمل في الآيات الثلاث من الآية الثامنة حتى العاشرة من سورة الحشر نرى أن الله سبحانه وتعالى يبين لنا صفات ومواصفات الرجال الذين قامت على أكتافهم الدولة الإسلامية بالمدينة وهم:
أولاً: المهاجرين
ثانيًا: الأنصار
ثالثًا: الذين اتبعوهم
أولاً المهاجرين: قال الله سبحانه وتعالى عنهم "لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ"
فهم فقراء لا يمتلكون المال ولا المركب ولا المسكن ومن كان يمتلكه تركه وراء ظهره ابتغاء مرضاة ربه هم أشد الناس حبًا لوطنهم فلم يتركوه إلا أن أكرهوا على ذلك "أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ", ولا زلت أذكر مقطعًا نثريًّا كان يدرس لنا في المرحلة الثانوية "إن الدين هو الوعاء الشامل للوطنية وغير الوطنية, لذلك تجد كل متدين وطني وليس كل وطني متدين" ولن ننسى أشواق النبي صلى الله عليه وسلم لوطنه مكة والتي بثها من خلال كلماته، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الله من مكة قال: "أمَا والله لأخرج منك، وأني لأعلم أنك أحب بلاد الله إلىَّ، وأكرمه على الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منكِ مَا خرجت" من صفاتهم "يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا" فهم يفعلون ما يفعلون, يبذلون يضحون لا من أجل منصب ولا جاه ولا سلطان إنما غايتهم هي تحقيق مرضاة الله والفوز بجنته فهذا أعرابي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم آمن به واتبعه، ثم قال: "أهاجر معك، فحصلت للنبي صلى الله عليه وسلم غنيمة، وقسم لهذا الأعرابي كما قسم للصحابة، فلما جيء بهذا القسم إليه بحقه من الغنيمة قال: ما هذا، قالوا: قسم قسمه لك النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذه فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذا، قال: (قسمته لك)، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى هاهنا- وأشار إلى حلقه- بسهم، فأموت، فأدخل الجنة"، بايعتك على هذا المبدأ لا على الأموال، "فقال: "إن تصدق الله يصدقك"، فلبثوا قليلاً، ثم نهضوا في قتال العدو، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم يحمل قد أصابه سهم؛ حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهو هو؟" قالوا: نعم، قال: "صدق الله فصدقه"، ثم كفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قدمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته: "اللهم هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك، فقتل شهيدًا، أنا شهيد على ذلك" (رواه النسائي)، وهو حديث صحيح.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا على أن تكون هذه صفة أصيلة فبمن تقام على أكتافهم دولة الإسلام الأولى بالمدينة لذلك ذكر الصحابة بقوله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" (متفق عليه)؛ وذلك لعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن من كانت نيته لغير الله أخطر على الدولة الوليدة من أعدائها وإن صلى وقام وتسمى بأسماء المسلمين.
فلن تقام الدولة المصرية الجديدة بعد الثورة إلا على أيدي من كان غايتهم هوا الله لا ينظرون لمكسب ولا منصب ولا جاه ولا سلطان ومن كانت وجهته الدنيا وزينتها وجاهها وسلطانها فرق الصف وعمل على نشر البغضاء والكراهية بين أبناء.
ومن صفاتهم "ينصرون الله ورسوله", وهذه صفة أخرى من صفات من أقيمت على أكتافهم هذه الدولة الإسلامية الأولى, ينصر الله وشريعته وينصرا النبي صلى الله عليه وسلم وسنته ومنهجه, وما أحوجنا في مرحلة بناء المؤسسات في مصر ووضع دستورها لهؤلاء الذين ينصرون شريعة الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
ومن صفاتهم "أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ" فلقد تميز الصحابة رضوان الله عليهم بالصدق ولن تبنى الدولة المصرية الجديدة, مصر التي في خاطري وخاطر كل مخلص صادق وطني إلا بالصدق "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ", أما هؤلاء الذين يقتاتون بالكذب ويتخذون الكذب صناعة ومصدرًا للمعيشة قال تعالى: "وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون" أمثال هؤلاء عوامل هدم لا بناء, عامل ضعف لا قوة.
ثانيًا: الأنصار يقول تعالى في كتابه الكريم:
"وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"
أولى صفات الفئة الثانية التي قامت على أكتافها دولة الإسلام الأولى, أنهم "يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ" لا يوجد في قلوبهم إلا الحب لإخوانهم وبني جلدتهم وأبناء وطنهم, قلوب خالية من الحقد والغل والكراهية والبغضاء، وإني حينما أشاهد على التلفاز من تمتلئ قلوبهم بغضًا وكراهية لفصيل معين فتعبر ألسنتهم عما في قلوبهم فتخرج كلماتهم عن إطار النقد البناء المفيد إلى معاول هدم وفرقة.
الصفة الثانية: "وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا" أي ولا يجدون في أنفسهم حسدًا للمهاجرين، فيما فضلهم اللّه به من المنزلة والشرف والتقديم في الذكر والرتبة، قلوب خالية من هذه الأمراض الفتاكة التي تفتك بالأمم ولا سيما الأمم الوليدة التي في مرحلتي البناء والتشييد, وما أحوج بنائي مصر لهذه الصفة الأنصارية اليوم.
الصفة الثالثة: "وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ" فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى رجل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئًا، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: "ألا رجل يضيف هذا الليلة رحمه اللّه"، فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول اللّه، فذهب إلى أهله، فقال لامرأته هذا ضيف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا تدخريه شيئًا، فقالت: واللّه ما عندي إلا قوت الصبية، قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي فأفيء السراج ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت، ثم غدا الرجل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: "لقد عجب اللّه عزّ وجلَّ- أو ضحك- من فلان وفلانة"، وأنزل اللّه تعالى: "ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة" (أخرجه البخاري)، ورواه مسلم والترمذي والنسائي.
وآخر صفاتهم: "وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" أي من سلم من الشح فقد أفلح وأنجح ولا يمكن أن يصنع الخير أبدًا من يهمّ دائمًا أن يأخذ، ولا يهمّ مرة أن يعطي فعن جابر بن عبد اللّه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارهم" (أخرجه مسلم والإمام أحمد).
ألسنا في أمس الحاجة اليوم لهذه الصفات, فلو اتصف وتخلق بها بناة مصرنا الجديدة اليوم لرحلت طوابير الخبز وأنابيب الغاز والبنزين والسولار بلادنا لغير رجعة.
ثالثًا: الذين جاءوا من بعدهم يقول تعالى:
"وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ".
الفريق الثالث الذي بنيت على أكتافه دولة الإسلام الأولى وهذه صفاتهم وأخلاقهم وهذا الفريق الذي استلم الراية والأمانة من الجيل الأول جيل السبق والريادة.
أولاً: "يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ" هذه هي علاقة الأجيال بعضها البعض في دولة الإسلام القائمة على الشريعة, على منهج القرآن والسنة الكل يمتلئ قلوبهم بالحب الصادق والمخلص لمن سبقوهم فيقدرون لهم سبقهم وفضلهم فينساب الحب على ألسنتهم تجار لله بالدعاء لمن سبقوهم, أما حينما تقوم الدولة على غير منهج القرآن والسنة وعلى أكتاف رجال لا يلتزمون، ولا يتخلقون بالقرآن والسنة فلهم شأن آخر يقول تعالى: "قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ" فليس بينهم إلا السباب والشتائم واللعن ولقد اختار الشعب المصري بكل فئاته ما يصلح حاضره ومستقبله بأن يكون من الفريق الأول الذين "يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ".
ثانيًا: الصفة الثانية من صفات هؤلاء "وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ" يقول شهيد القرآن رحمه الله صورة تمثل الأجيال من وراء الزمان والمكان والجنس والوطن والعشيرة والنسب، متضامنة، مترابطة، متكافلة، متوادة، متعارفة، صاعدة في طريقها إلى الله عز وجل، بريئة الصدور من الغل، طاهرة القلوب من الحقد.
نريد أن نبني مصر على هذه الصفات الطاهرة حتى يكون البناء طاهرًا يبنى ويقام على عين الله ورعايته وتأييده فيحميه من عبث العابثين وكيد الشياطين وأعوان الشياطين.
اللهم من أراد مصر وأهل مصر بخير فوفقه لكل خير ومن أراد لمصر وأهل مصر بسوء فرد كيده في نحره واجعل تدميره في تدبيره وخلص مصر شعبًا وأرضًا منه يا رب العالمين.