من نافلة القول الحديث عن أهمية السلطة القضائية والحرص على استقلالها وعدم تدخل السلطة التنفيذية في عملها، وأن يشعر المواطن- الذي هو المعني الأول بالاستقلال الحقيقي والفعلي للقضاء- بالثقة والاطمئنان عندما يقف في ساحة القضاء أن الحكم الذي يصدره القاضي نابع من ضميره وقناعته بالأدلة الموجودة أمامه، وأنه لا يوجد أي تأثير على حكم القاضي إلا ضميره ومن هنا تأتي أهمية التوقف عند بعض الظواهر السلبية التي شابت المشهد القضائي بعد الثورة، والتي نالت من مكانة وهيبة القضاء.

 

لقد أدت سياسات النظام السابق إلى انتشار الفساد في كل مؤسسات الدولة، ومن الصعب تصور أن تنجو مؤسسة من المؤسسات من عملية الفساد والإفساد التي مارسها هذا النظام وإن اختلفت بالتأكيد نسبة الفساد من مؤسسة لأخرى، ولم يكن القضاء بطبيعة الحال بعيدًا عن ذلك، وقد شهدنا ميلاد تيار الاستقلال بصفة أساسية في أواخر عهد النظام، وشهدنا القضاة يعتصمون بناديهم ويخرجون في مسيرة، وهم يرتدون الأوشحة إلى دار القضاء العالي، وشهدنا أيضًا تحويل المستشارين محمود مكي، وهشام البسطويسي إلى لجنة الصلاحية والتعاطف والتأييد الشعبي لهم لقد كانت مطالب تيار الاستقلال واضحة في تحقق الإصلاح وغل يد السلطة التنفيذية عن التدخل في شئونه، وكانت أهم هذه المطالب أن يتولى مجلس القضاء الأعلى كل ما يتعلق بشئون القضاء خاصة فيما يتعلق بالميزانية وتبعية التفتيش القضائي ومنع ندب القضاة في المصالح الحكومية.

 

وبعد الثورة كان من الطبيعي في ظل حالة الزخم الثوري أن تطالب القوى الثورية بإصلاح القضاء، وارتفع شعار تطهير القضاء والمطالبة بإقالة النائب العام، وإبعاد القضاة الذين شاركوا في تزوير الانتخابات، والتي أدانتهم تقارير محكمة النقض فضلاً عن القضاة الذين عرفوا بولائهم للسلطة، والذين كانت تحال إليهم قضايا بعينها، وعلى رأسهم أحد القضاة الذي كان متخصصًا في القضايا السياسية المثيرة للجدل ولكن لم يتحقق أي شيء في هذا الملف خاصة في موضوع عزل النائب العام والذي كان يمكن للمجلس العسكري بعد الثورة- والذي كان يملك كل السلطات في يده- الإقدام على هذه الخطوة دون أن يثير أي مشكلات في ظل الزخم الثوري في تلك الفترة، وفي ظل تعطيل الدستور والاستناد إلى الشرعية الثورية، ولكن المجلس العسكري في ظل سياسته التي قامت على بقاء الأوضاع كما هي بعد تنحى الرئيس السابق لم يقدم على هذه الخطوة التي ظلت أحد المطالب الثورية الأساسية قبل أن تتفاقم التجاذبات والمناكفات السياسية على الساحة المصرية، والتي برزت بوضوح بعد قرار د. مرسي بتعيين النائب العام في منصب سفير مصر في الفاتيكان.

 

إن البعض من داخل القضاة يتعامل مع السلطة القضائية وكأنها صنم مقدس لا يجوز الاقتراب منه، ومع القضاة باعتبارهم مقدسين وليسوا بشر يصيبون ويخطئون، وأنهم مثل أي مهنة أخرى- مع الاحترام والتقدير لمهنة القضاة- فيها المصيب والمخطئ وإلا لماذا وجد التفتيش القضائي ولجان الصلاحية؟!!

 

وهناك من يدفع- سواء بوعي أو غير وعي- نحو تقويض السلطة القضائية، مستندًا إلى بعض الممارسات الخاطئة لبعض رجال القضاء ولبعض الأحكام التي قامت على اعتبارات سياسية أكثر منها قضائية وبالرغم من صحة بعض الانتقادات التي توجه فعليًّا للقضاء إلا أنه ينبغي ألا ينسى هؤلاء أن الجسم القضائي في مجمله بخير.

 

ويجب ألا ننسى الأحكام التاريخية التي أصدرها القضاء، سواء العادي أو قضاء مجلس الدولة الذي انتصر في الكثير من أحكامه للحقوق والحريات في ظل نظم الاستبداد والطغيان، لا بد أن نضع في أذهاننا أن إصلاح البيت القضائي شيء، ومحاولة هدم وتقويض هذا البيت شيء آخر، فتقويض السلطة القضائية هو ضرب لأحد أعمدة الدولة التي يجب أن نحرص عليها جميعًا.

 

إن السبيل الأمثل لمعالجة الشأن القضائي هو الحرص على استقلال القضاء، ومعالجة السلبيات التي شابت المشهد القضائي من خلال عملية إصلاح للقضاء من داخله في إطار الشرعية القانونية التي ارتضيناها بعيدًا عن أي إجراءات استثنائية، وحسنًا فعل د. مرسى عندما أبقى على النائب العام في موقعه بعد رفضه التعيين في منصب السفير- بالرغم من موافقته المبدئية- ولم تأخذه العزة بالاسم ويلجأ إلى استخدام سلطته التشريعية للإطاحة به بشكل قانوني في تأكيد على احترام لمبدأ استقلالية السلطة القضائية واحترام القانون بصرف النظر عن الأشخاص.

 

إن نقطة البداية الحقيقية للإصلاح القضائي هو التأكيد في الدستور الجديد على استقلال السلطة القضائية ثم المسارعة لإصدار قانون السلطة القضائية الذي يجب أن يكون على رأس الأجندة التشريعية للبرلمان القادم، والذي يجب أن يمنح الاستقلال الكامل للسلطة القضائية بحيث يتولى القضاة شئونهم بأنفسهم من خلال مجالسهم الخاصة دون تدخل من السلطة التنفيذية خاصةً وزارة العدل التي أتمنى أن يأتي اليوم الذي تختفي فيه من سجل الوزارات في مصر، وبحيث يستطيع القضاة أنفسهم تنقية الثوب الأبيض الناصع للقضاء من أي بقع قد تدنسه هنا أو هناك بقيت نقطة أساسية لا بد من التوقف عندها؛ لأنها في اعتقادي قد أثرت بالسلب في نظرة المواطنين للقضاء وهزت هيبته ومكانته في النفوس وهي الظهور الإعلامي للقضاة خاصة في الفضائيات.

 

وقد طفت هذه الظاهرة بوضوح مع تصاعد حركة تيار الاستقلال ورئاسة المستشار زكريا عبد العزيز لنادي القضاة حيث أصحبت أسماء قادة هذا التيار متداولة إعلاميًّا، خاصة مع محاكمة محمود مكي وهشام البسطويسي، وأصبح الظهور الإعلامي للقضاة من الأمور الاعتيادية بالرغم من انتقاد القضاة غير المنتمين لتيار الإصلاح لهذه الظاهرة إلا أنه بصفة عامة كان ظهور القضاة، ومواقفهم الشجاعة المطالبة باستقلال القضاء موضع ترحيب القوى المعارضة للنظام السابق وإن كان هذا الأمر في المقابل خاصة ما تعرض له أحد القضاة من اعتداء وسحل في الشارع على يد الأمن كان له تأثيره على نظرة المواطنين للقضاة، والذين لم يتعودوا أن يروا القضاة على شاشات الفضائيات، أو أن يقوموا بمظاهرات واعتصامات.

 

وإذا كان وجود القضاة على شاشة التلفاز بل وفي ميدان التحرير أثناء الثورة أمرًا يمكن تبريره فإن الوضع الآن لا يتحمل هذا الظهور الإعلامي وانعكاساته السلبية بعد أن تحولت الفضائيات ساحة لتبادل الاتهامات بين القضاة أنفسهم، وبعد أن تحول بعض القضاة إلى نجوم فضائيات بصورة تكشف عن ميول وانتماءات معينة بصورة قد تلقي بظلال من الشك حول أحكام هؤلاء القضاء، خاصةً بعد أن أصبح هناك ما يشبه التصنيف لهؤلاء القضاة عند الفضائيات التي تستضيفهم، وأصبح من المعروف سلفًا لمتابعي الفضائيات مواقف هؤلاء القضاة من القضايا المطروحة للنقاش وبعيدًا عن الجدل الذي يمكن أن يثار حول أحقية القاضي أن يدلي بدلوه في الشأن العام، وأن الحظر المفروض على القاضي في ممارسة العمل السياسي يتعلق بالانتماء والعمل الحزبي فلو سلمنا بذلك جدلاً فإن المصالح المعتبرة المتمثلة في تعزيز هيبة ومكانة القضاء، والثقة في أحكامهم تستدعي عدم ظهور رجال القضاء على شاشات الفضائيات فضلاً عن أن نسبة القضاة الذين يظهرون في الإعلام قياسًا بعدد القضاة يعتبر قليلاً للغاية.

 

لذلك وحرصًا على هيبة واستقلالية القضاة ينبغي عليهم مغادرة ساحة الفضائيات إلى ساحتهم الحقيقية ساحة القضاء.

-------------------

* مدرس التاريخ الحديث والمعاصر كلية التربية- جامعة دمنهور- dsafouthousin20020@gmail.com