منذ إعلان نتائج انتخابات مجلس الشعب وفوز الإسلاميين بأغلبية واضحة فيه، بدأت بعض القوى السياسية في انتهاج سياسة واضحة لتصيد أخطاء المجلس وأعضائه، بل اختلاق بعضها وتضخيم الآخر لتشويه المجلس وصورته وقراراته وكل ما يصدر عنه في عيون المواطنين، وعندما لم تفلح وسائلهم في تغيير قناعات المواطنين لجئوا لحيل أخرى موازية لسلسلة الافتراءات والأكاذيب التي كانت تثار حول المجلس، ومنها اللجوء إلى القضاء لحل مجلس الشعب وهو ما تحقق لهم بعد حكم المحكمة الدستورية الشهير.
وبعد نجاح الرئيس محمد مرسي في انتخابات الرئاسة بدأت المجموعة نفسها في انتهاج الأسلوب نفسه لعلها تنجح في تشويه صورة الرئيس أو أن تضعه تحت ضغط منها لتشتت تركيزه ومعاونيه لتخرج قرارات غير مدروسة أو انفعالية أو كردة فعل لما يحاولون استدراجه له.
وبكل أسف بدلاً من أن تحاول هذه القوى أن تبني نفسها وتعيد وجودها في الشارع- إذا كان لها وجود أصلاً- أو أن تؤسس لوجود حقيقي لها في الشارع المصري تستطيع من خلاله أن تنافس في أي انتخابات قادمة؛ اتجهت وبكل قوتها لمحاولات تشويه كل ما هو إسلامي أو شبه إسلامي.
واستخدمت في هذه الحملة آلة إعلامية مشبوهة التمويل للنيل من شخص الرئيس وقراراته وحركاته وسكناته، كما فعلت من قبل مع مجلس الشعب وحاولت تشويه كل ما صدر عنه وتجاهل كل إيجابياته من قوانين وقرارات.
إن ما يحدث على الساحة السياسية المصرية الآن هو حلقة في سلسلة تشويه كل خيار حر للشعب، وللتدليل على أن الشعب لا يحسن الخيار، وأنهم هم فقط من يحسنون التفكير والاختيار، وأن على الشعب الانقياد والانصياع لهم ولتوصياتهم. وهو ما يعبر بوضوح تام عن دكتاتورية الأقلية التي تحاول ابتزاز الأغلبية وتحاول إجبارها على التخلي عن مبادئها وعن تحقيق مصالح شعبها.
وفات هؤلاء أن الشعب المصري أوعى بكثير مما يظنون، وأنه لا يُخدع بمعسول الكلام الزائف، ولا بطول الظهور في الندوات والحلقات النقاشية الفضائية؛ فقد ينجح هؤلاء في التأثير في بعض المواطنين لفترة وجيزة، ولكن لا يمكنهم التأثير فيهم طوال الوقت، وهو ما دللت عليه الأحداث المتتالية وبخاصة نتائج الانتخابات في الفترة الأخيرة.
فالشعب المصري يجيد الحكم على الأشخاص والهيئات بكل موضوعية ويستطيع الكشف عن المقاصد الحقيقية للأفعال والتصرفات والقرارات، وهو ما تجلى بوضوح في خياراته لمن ينوب عنه وثقته المطلقة في التيار الإسلامي وممثليه وانحيازه لهم، وهو ما أوغر صدور بعض كارهي هذا التيار وممثليه، فتسابق في مهاجمة هذا التيار وممثليه وتسفيه وتشويه كل ما يصدر عنهم حتى وإن كان في صالح مصر وشعبها.
وحاول ويحاول- وسيحاول- أنصار هذا التيار ومؤيدوه وحواريوه جرَّ البلاد لمعارك جانبيه أو أزمات مصطنعة لتضليل الرأي العام وتشويه كل ما هو إسلامي، وهو ما لن يتحقق بفضل الله عز وجل، فالتيار الإسلامي حين يتعاطى مع السياسة يتعاطى معها عبادةً لله وقربًا له وليس لغرض زائل أو مكسب وقتي أو لمصلحة عارضة.
وآخر تلك المعارك هو ما يثار حول الجمعية التأسيسية لوضع الدستور والخلاف حول تشكيلها وحول المسودات الصادرة عنها، وبدلاً من إجابة الدعوات الموجهة لهم بحضور اجتماعات الجمعية وتقديم الآراء والمقترحات، نجد السب والقذف في حقها وحق أعضائها ومحاولات إعاقتها عن أداء عملها وتشويه كل منتج يصدر عنها وإعلان بعضهم أنهم سيرفضون كل ما يصدر عنها ولو كان أفضل دستور في العالم؟! والبعض الآخر دائم التهديد بالإنسحاب منها والتشدق بعبارات فضفاضة أبعد ما تكون عن الحقيقة والواقع.
لقد وصل الأمر بالبعض لوضع يده في يد سدنة النظام السابق وحوارييه وترزية قوانينه ومن تلطخت أيديهم بدماء شهدائنا الأبرار للنيل من ممثلي الشعب ومن جاءوا بإرادته الحرة التامة، وفات هؤلاء أن ذاكرة التاريخ لا تنسى ولن ترحمهم أبدًا.
إن بناء الأمم وقيام نهضتها لا يمكن أن يقوم على مثل تلك الدعوات الهدَّامة التي تعيق العمل، بل تهدمه انتصارًا لرأي شخصي أو مجد مزيف، فكيف ستُبنى نهضة وسط دعوات التفرقة والتنازع وتشتيت الجهود واختلاق الأزمات والانتصار للأشخاص على المبادئ والقيم والثوابت واختلاق الأكاذيب وتضخيم الهفوات؟!
إن حالة الترصد والاستقطاب الواضحة الآن هي أكبر معوق لإعادة بناء ما أفسده النظام السابق، وهو ما يتطلب منا أن نكون على أعلى درجات الوعي وإنكار الذات والحب العملي والحقيقي لوطننا ولمواطنينا.
إن بناء الوطن يحتاج منا لبذل وتضحية وجهد ووحدة وحب وصفاء وتكاتف حول من يختاره الشعب، ونمد له يد العون وكل ما يحتاج للنهوض ببلدنا ووطننا، ونكون في مصاف الدول المتقدمة والمتحضرة كما يأمرنا إسلامنا الحنيف.
إن على كل القوى والتيارات تحمل مسئولياتهم لمواجهة التحديات، والمشاركة الحقيقية في تنمية مصر، والانتقال من ميدان القول إلى العمل والإنتاج، والتوافق الحقيقي والصادق لمواجهة بقايا الفساد بكل حسم وقوة وإجراء تطهير حقيقي وملموس لكل مؤسسات الدولة.
إن محاولات التعويق المستمرة قد تؤخر عملية البناء لبعض الوقت، ولكنها لن تعيقها عن الاستمرار في التقدم والوصول لأهدافها الحقيقية بإرادة المخلصين لمصر وشعبها وبحرصهم على إنجاح بلدهم ورفعة أهلهم، والالتفاف حول خياراتهم وممثليهم الذين جاءوا بإرادة حرة.
لنغلّبْ مصلحة مصر العليا على مصالحنا الخاصة، ولنتوحدْ خلف إرادة شعبها وندعمها، ولنبذل ونضحِّ من أجل إعادة بنائها ونهضتها وارتقائها ولْنرِ الله من أنفسنا خيرًا (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) (المطففين).