كان دائمًا ما يردد: نحن لا نرضى إلا بالشهادة، ولا ينفع معنا إلا الشهادة في سبيل الله..!! فكُنت تجده مثلاً يصلي الفجر في أبو حمص، ويصلي الظهر في المحمودية، ويصلي العشاء في كفر الدوار، ثم يعود إلى دمنهور بعد منتصف الليل ثم في اليوم التالي تسأل عنه يقولون في القاهرة أو مطروح أو الإسكندرية...!!
نسأل الله أن ينال ثواب كل ذلك وجزاءه، فقد رحل الأستاذ المربي الفاضل المناضل محمد الشراكي- ابن دعوة الإسلام، ومن دعاة مدينة أبو حمص ومحافظة البحيرة- مجاهدًا صادقًا ثابتًا في محراب الدعوة..!! (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) (الأحزاب:23)
كان يقول في إحدى محاضراته: إن إبراهيم عليه السلام هاجر من الشام إلى (مكة) صحراء جرداء لا زرع فيها ولا ماء، وهناك قال لولده إسماعيل: أعني على بناء البيت فأعانه، ثم علَّق قائلاً: لقد ورَّث إبراهيم ولده التقوى والإيمان والصلاة والدعوة في الصحراء حتى عادت خضراء بالأفئدة الطيبة والعقول الزكية والنفوس الرضية، فإن لم تستطع أنت أن تورث ولدك هذه المعاني فورثها للآخرين.. يكونوا أبناءك..!!
وأشهد الله أن له غرسًا من غرس الدعوة في محافظة البحيرة، فضلاً على الجمهورية، علاوةً على الذين سافروا في الوطن العربي والعالم الإسلامي فعملوا هناك بما تعلموه وأخذوه..!! وأشهد الله أني واحد من هذا الغرس، علمني كيف أتحدث إلى الناس وكيف ألقي كلمةً وكيف أصعد المنابر وألقي خطبةً، فاللهم اجعل كل ذلك في ميزانه..!!
كان في الغالب متأثرًا بأسرة خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، فسمَّى أولاده بأسمائهم، سارة وإبراهيم وإسماعيل وهاجر مسبوقين بالدكتور حسام..!! وكلهم مع إخوته وكثيرًا من عائلته تتشرفهم دعوة الإخوان وتتشرف هي بهم كذلك..!!
والله إنا لفراقك يا أستاذنا الفاضل لمحزونون، ولكن لا نقول إلا ما يُرضي ربنا "إنا لله وإنا إليه راجعون".
مشهد مهيب وجنازة قلما تتكرر، وداع مفعم بالإخلاص، وممزوج بالدموع..!! تجد من يقول لك والله لم أراه إنما فقط سمعت عنه، وآخر يقول لك باكيًا لم أعرفه وإنما شدني المشهد، وقادة الإخوان ينعونه بكلمات باكية في رثاء يطاول السماء..!!
نعم كنت يا أستاذ محمد الشراكي- نحسبك كذلك ولا نزكيك على ربك- نعم القدوة ونعم المثل ونعم الرجل..!! تصلح المتخاصمين، وترح المتعبين، وتمسح رؤوس المحرومين، وتكفكف دموع المكلومين، كانت تذكرنا بالله رؤيتك ويزيد في علمنا منطقك، ويرفع من قدرنا حضورك...!! وحضورك لا يزال وسيبقى بإذن الله في قلوبنا ما حيينا..!! فجزاك الله كل خير.
كم أثلجت صدورنا! وكم طمأنت قلوبنا! وكم أخذت بأيدينا وإلى الحق أرشدنا وعلمتنا... علمتنا كيف نواجه الباطل وكيف نجاهد الحاقد وكيف نقاوم المنافق وكيف نتعامل مع المناوئ، وكل ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة من سنة نبينا ومن كتاب ربنا... فجزاك الله كل خير.
نعم رحلت إلى جوار ربك بعد أن أقرَّ عينك بأخذ الظالمين ووصول المظلومين، وكنت أنت واحدًا منهم فقد سجنت كثيرًا واستدعيت أكثر وجردت مكتبتك أكثر من مرة، وتحمَّلت كل ذلك من أجل دينك ودعوتك بعد أن طوعت كل أهل بيتك في سبيل الله ومَن ثمَّ في سبيل دينه ودعوته..!! فجزاك الله كل خير.
كنت قدوةً في مهنتك فقد حصلت مدرستك التي كنت تقودها كمديرٍ لها على المركز الأول في الجودة قبل رحيلك بعام تقريبًا، وكنت قدوةً في بيتك ومعك زوجة نحسبها مخلصة مربية فاضلة، فكان بيتًا يشع بالنور للسائرين في طريق الحقِّ المبين، وكنت قدوةً في دعوتك فنحن تتلمذنا دعويًّا على يدك.. فجزاك الله خيرًا.
ترجمت قول السلف: مَن عمل لآخرته كفاه الله- عزَّ وجلَّ- دنياه، ومَن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومَن أصلح سريرتَه أصلح الله علانيته.. نسأل الله أن يصلح أخرتك ويجزيك الخير كله.
علمتنا أستاذنا أنه لا قيمةَ إلا بالإيمان، ولا نجاة إلا بالتقوى، ولا فوز إلا بالطاعة، ولا ينال الدرجات العلا إلا رجل مجاهد ينصر العقيدة، ويحمي الحق، ويجابه الباطل، إذا قرأ عليه القرآن فإنه يسمع، وإذا نودي بالإسلام يجيب، وإذا نودي بالإيمان يلبي، وأريتنا أن القلب المعمور بالإيمان، المنساق إلى الحق، المنطلق إلى الصواب، لا يخرج منه إلا ما ينفع البلاد ويصلح العباد، ويعبد الطريق إلى يوم الميعاد ....!!
عندما انتهى موكب العزاء مساء الثلاثاء الحزين 6/11/2012، وعاد كل والد إلى أولاده، وعاد حسام وإبراهيم وإسماعيل إلى بيتهم بغير والدهم..!! أجهشتُ بالبكاء متذكرًا ما قرأته في موقف استشهاد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه (الشهيد الطائر) عندما أتى النبي صلى الله عليه وسلم نعي جعفر رضي الله عنه دخل على امرأته أسماء بنت عميس رضي الله عنها وقال لها: "ائتني ببني جعفر فأتت بهم فشمهم ودمعت عيناه فقالت يا رسول الله بأبي وأمي ما يُبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابـه شيء؟ فقال: "نعم أصيبـوا هذا اليوم فقامت تصيح، ودخلت فاطمـة وهي تبكي وتقول: واعماه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على مثل جعفر فلتبكِِ البواكي"، ورجع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال: "لا تغفلوا آلَ جعفر، فإنهم قد شُغلوا" ثم عاد إلى مجلسه، وأصحابه حافون به، وعندها جال في خاطري أنك تجد الإنسان أمامك وجهًا مشرقًا ولسانًا ناطقًا وقلبًا نابضًا وإرادةً تملأ الدنيا ثم في لحظاتٍ إذا بهذا الوجه المشرق قد ذبل، وهذا اللسان الناطق قد سكت، وهذا القلب النابض قد توقف، وهذه الإرادة الحية قد توقفت..!! ما هذا؟ سؤال حار فيه الأطباء وسكت عنده العلماء ولم يرد عليه الأنبياء وإنما قال خالق الأرض والسماء: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً" (الإسراء: 85)، فتخففت من البكاء وقلت لنفسي: أيُّها الباكي على أحبابِه الأموات، ابْكِ على نفسك قبل الفوات، وحاسِبْ نفْسَك قبل الممات، تَخلَّصْ من نَزواتِ الدُّنيا والشهوات، وتأهَّب لِنُزول البلايا والآفات، وتذكَّر يوم يُقال عنك: إنَّه قد مات، وتذكَّر أن الذي أتى الماضين قد أتاك، يوم تنطق جوارِحُك ويسكت فاك (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النور:24) (وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (فصلت:21)، واسترجعت أقوال الشعراء
غدًا توفى النفوس ما كسبت ويحصد الزراع ما زرعوا
فإن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم وإن أساءوا فبئس ما صنعوا
ليس من مات فاستراحَ بميت إنما الميت ميت الأحياء
إنما الميت من يعيش كئيبًا كاسفًا باله قليل الرجاء
الناس بالناس ما دام الحياء بهم والسعد لا شك تارات وهبات
وأفضل الناس ما بين الورى رجل تقضى على يده للناس حاجات
واشكر فضائل صنع الله إذ جعلت إليك لا لك عند الناس حاجات
قد مات قوم وما ماتت مكارمهم وعاش قوم وهم في الناس أموات
أيها الإخوان.. أيها الخلان.. أيها الأحباب.. أيها الأصحاب.. اصبروا على ما ألمَّ بكم من فقد الأحباب ورحيل الأصحاب والأعلام، ابروا بلايا الزمن ونكبات الأيام، ورابطوا في ثغوركم على مرِّ الدهور والأعوام (يا أيها الذين امنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا لله لعلكم تفلحون) )آل عمران: 200(، يا أهل الإيمان اصبروا على النعماء، وصابروا في البأساء والضراء، ورابطوا في دار لأعداء، واتقوا رب الأرض والسماء، لعلكم تفلحوا في دار البقاء وهي جنة عرضها السموات والأرض أُعدت للمتقين...!! في الآخرة زاؤهم (وجزاهم بما صبروا جنه وحريرًا) (الإنسان: من الآية 12) يُغرف لهم من الحسنات غرفًا (إنَّما يُوفَّى الصابرون أجرهم غير حساب) (الزمر: 10(، والملائكة تدخل عليهم في أماكنهم في الجنة وتهنئهم بما صاروا إليه (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب (23) سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (24))الرعد).
رحمك الله رحمةً واسعةً يا أستاذنا الفاضل الكريم، وأسكنك الله الفردوس الأعلى من الجنة، وجمعنا بك على حوض رسوله صلى الله عليه وسلم نشرب من يده شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا..!! رحمك الله، وألهم أهلك وأولادك وعائلتك ومحبيك ومريديك الصبر والسلوان...!!
تلميذك/ خميس النقيب
---------