حظيت المرأة المصرية في مسودة مشروع الدستور الجديد للبلاد بعناية خاصة فضلاً عما تضمنته المسودة من إقرار منظومة الحقوق والحريات العامة لكل المواطنين المصريين في الداخل والخارج، وليس في الأمر ما يدعو للاستغراب أو يثير الاندهاش، ذلك أن المرأة المصرية شاركت الرجل في تحمل أعباء الحياة وقاسمته تكاليف الثورة وتضحياتها، فكانت في الميدان تزأر وتنادي بسقوط دولة الظلم وتطالب بإسقاط نظام الفساد وتحملت المشاق والآلام فكانت أم الشهيد وزوجته وأخته وابنته، وكانت ضمن الملايين التي خرجت واصطفت في طوابير الاستفتاء والانتخابات البرلمانية والرئاسية لتسطر مع الرجل ملحمة العبور الثاني والثالث على نحو أدهش العالم كله، فكان من الطبيعي أن تحظى المرأة المصرية بهذه المكانة والمنزلة في مشروع الدستور الجديد.
أُدرك جيدًا أنَّ البعض قد تسرع- قبل أن تنتهي الجمعية التأسيسية لوضع الدستور الجديد من وضع مسودة المشروع واكتمال منظومة الحقوق والحريات العامة- فأثاروا زوابع وعواصف وهمية لا أساس لها، زاعمين أن المرأة المصرية خرجت من الدستور الجديد بلا حقوق وأن عهدًا مظلمًا ينتظرها في المستقبل القريب في ظل الدستور الجديد، وكان للمجلس القومي للمرأة موقف متسرع من مشروع الدستور اعتمد على قراءات غير دقيقة للمواد المقترحة، بل على أكاذيب أثارها البعض بغية الفتنة، من ذلك أن الدستور سيتضمن خفض سن زواج البنت إلى تسع سنوات، وفات عليهم أن الدستور غير معني بهذه المسائل الفرعية التي محلها النصوص القانونية وليس المواد الدستورية، ثم كان أن خرجت القراءة الأولى للمسودة ثم المسودة، وهي خالية تمامًا من هذه الأكاذيب التي روَّج لها عن عمد- وقد سقط رمز كبير من السياسيين في هذا الفخ حين سُئل عن سبب اعتراضه على مسودة الدستور فقال: "دول عايزين يخلو سن زواج البنت تسع سنين" ولم يكلف نفسه أن يقرأ نصوص المسودة بدلاً من ترويج الأكاذيب على العامة والخاصة والإعلام.
ومن خلال قراءتي العامة للبابين الأول والثاني من مسودة مشروع الدستور يتبيَّن لنا عدة أمور مهمة أود الوقوف أمامها:
1- حظيت المرأة المصرية بتقرير منظومة من الحقوق والحريات العامة في مشروع الدستور الجديد متساوية في ذلك من الرجل المصري، فبوصفها مواطنًا مصريًّا لها كل الحقوق والحريات العامة التي وردت في البابين الأول والثاني، فالمادة (6) من مسودة المشروع نصت على مبدأ المواطنة: "يقوم النظام الديمقراطي على مبدأ الشورى، والمواطنة التي تسوي بين كل مواطنيها في الحقوق والواجبات، والتعددية السياسية والحزبية، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، وكفالة الحقوق والحريات، والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات والتوازن بينها، وذلك كله على الوجه المبين في الدستور، ولا يجوز قيام أحزاب سياسية على أساس التفرقة بين المواطنين بسبب الجنس أو الأصل أو الدين".
2- وهذه المادة حاكمة وتُعــد المادة العامة الضامنة لحقوق وحريات كل المواطنين، ومنهم المرأة، ومن ثمَّ فكل حق عام ورد في الدستور أو نُص عليه في قانون، فالمرأة المصرية لها كامل الحق مثلها مثل الرجل بلا استثناء أو تمييز.
وكل الحقوق والحريات العامة التي تم النصُّ عليها في الباب الثاني من مسودة مشروع الدستور الجديد للرجل والمرأة دون تمييز، وهذه نقطة مفصلية يريد البعض التغافل عنها، وكأن المرأة ليست مواطنًا وليست مخاطبة بهذه الحقوق والحريات العامة، سمعت واحدة من المتصدرات للحديث عن المرأة تصرخ وتقول: "فين حقوق المرأة المصرية في الدستور الجديد؟ فين حقوقها بعد الثورة؟، ما يحدث ردة ورجوع للوراء"، وحين يُقال لها إن جميع المواد الدستورية التي وردت في المسودة وتتضمن الحقوق والحريات العامة هي للرجل والمرأة سواء بسواء، لا فرق ولا تمييز، بوصفها مواطنًا مصريًّا، إذ بها ترد بعجرفة وعناد: "لا أنا عايزة يتقال نصوص للرجل ونصوص للمرأة في كل حق من الحقوق....".
بالتأكيد نحن أمام صورة من صور المناكفة السياسية التي لا تتفق أبدًا مع أصول العمل السياسي والوطني ولا تتناسب أبدًا مع الظرف التاريخي الذي تمر به مصر.
3- نصَّتْ المادة (13) من مسودة المشروع على منظومة من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين المصريين "يهدف الاقتصاد الوطني إلى تحقيق التنمية المستدامة المتوازنة، وحماية الإنتاج وزيادة الدخل، وكفالة العدالة الاجتماعية والتكافل والرفاه، وحماية حقوق المستهلك، والمحافظة على حقوق العاملين وضمان عدالة التوزيع، ورفع مستوى المعيشة، والقضاء على الفقر والبطالة، وزيادة فرص العمل، والمشاركة بين رأس المال والعمل في تحمل تكاليف التنمية، والاقتسام العادل لعوائدها، وربط الأجر بالإنتاج، وتقريب الفوارق بين الدخول بوضع حد أقصى وضمان حد أدنى للأجور بما يكفل حياة كريمة لكل مواطن".
ومفاد ذلك النص الدستوري أن الدولة المصرية تلتزم بتحقيق التنمية الشاملة وحماية الإنتاج وزيادة دخل المواطنين ومنهم المرأة المصرية وكفالة العدالة الاجتماعية وحماية حقوق المستهلك، والمرأة المصرية مستفيدة بالطبع من ذلك الحق، والمحافظة على حقوق العاملين وضمان عدالة التوزيع ورفع مستوى المعيشة، والمرأة العاملة تحظى بهذا الحق شأنها في ذلك شأن الرجل العامل، والقضاء على الفقر والبطالة وزيادة فرص العمل، وهي قضايا تستفيد منها المرأة المصرية كما يستفيد منها الرجل المصري بلا تفرقة بينهما، وربط الأجر بالإنتاج وتقريب الفوارق بين الدخول بوضع حد أقصى للدخول وضمان حد أدنى تلتزم الدولة به، بما يكفل حياة كريمة لكل مواطن ويشمل ذلك الرجل والمرأة بلا تمييز.
فهذه منظومة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وردت واضحة في الدستور تخص الرجل والمرأة بوصفهما مواطنين مصريين بلا تمييز بينهما.
4- مواد الباب الثاني من مسودة المشروع بلغت 52 مادة تضمنت أكثر من 70 حقًّا من الحقوق والحريات العامة قررتها مواد مشروع الدستور الجديد، متضمنة بذلك كل الحقوق والحريات العامة التي وردت في الدساتير المصرية السابقة سواء دستور 1923 أو دستور 1971 أو الحقوق التي وردت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في ديسمبر 1948، ومن المنتظر أن تكتمل الحوارات المجتمعية حول هذا الباب ليكون بحق مفخرة يعتز بها كل مصري وبما يليق بتضحيات الشعب المصري وتحقق أهداف ثورة يناير.
هذه الحقوق والحريات العامة يشترك فيها الرجل والمرأة سواء بسواء، لا فرق بينهما ولا تمييز، وكل حق عام أو حرية تم النص عليها في هذا الباب تتمتع به المرأة المصرية، ومن ثمَّ نقول إن مساحة الحقوق والحريات العامة قد صارت أكثر رحابةً واتساعًا في مشروع الدستور الجديد والمرأة المصرية تجني ثمار ذلك بوصفها مواطنًا مصريًّا.
وقد تضمنت المادة رقم (30) أن المواطنين لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة أو الرأي أو الوضع الاجتماعي أو الإعاقة، ومن ثم فالمرأة المصرية متمتعة بكل الحقوق والحريات العامة والواجبات العامة، متساوية بذلك مع الرجل بلا تفرقة أو تمييز.
5- كما حظيت المرأة المصرية بنصوص خاصة في مسودة مشروع الدستور الجديد، من ذلك ما ورد في المادة رقم (68) "تلتزم الدولة باتخاذ كل التدابير التي ترسخ مساواة المرأة مع الرجل، في مجالات الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية وسائر المجالات الأخرى، دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية، وتوفر الدولة خدمات الأمومة والطفولة بالمجان، وتكفل للمرأة الرعاية الصحية والاجتماعية والاقتصادية وحق الإرث، والتوفيق بين واجباتها نحو الأسرة وعملها في المجتمع.
وتولي الدولة حماية وعناية خاصة بالمرأة المعيلة والمطلقة والأرملة وغيرهن من النساء الأكثر احتياجًا".
وهذا النص خير ضمان لحقوق المرأة المصرية، إذ يُلزم الدولة بكل سلطاتها أن تتخذ كل التدابير والإجراءات اللازمة من أجل ترسيخ مبدأ المساواة بين المرأة والرجل في جميع مجالات الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية وسائر المجالات الأخرى، وبالتالي تتحول النصوص إلى واقع وحقيقة تسفر عن تحول حقيقي في الدولة المصرية، ومسيرة كفاح المرأة المصرية.
كما تضمنت المادة المذكورة إعلان الدولة بسط حمايتها ورعايتها المرأة المصرية وتوفير خدمات الأمومة والطفولة بالمجان، وكفالة المرأة الرعاية الصحية والاجتماعية والاقتصادية وسائر المجالات الأخرى، كما تضمنت المادة كذلك التزام الدولة المصرية بأن تولي عناية خاصة بالمرأة المعيلة والمطلقة والأرملة وغيرهن من النساء الأكثر احتياجًا.
6- ثار جدل كبير حول المادة (68) التي ذكرتها وعلقت عليها في الفقرة السابقة، ولكن على نحو سيئ، والبعض حوَّل المادة من كونها توفر مزيدًا من الحماية والعطاء الأكثر سخاء للمرأة المصرية، وغض الطرف عن ذلك كله، وقلب الصورة وعرض المادة على أنها سلبت المرأة المصرية كل حقوقها السابقة، بسبب وجود عبارة (دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية) ويحلو لبعض العلمانيين واليساريين أن يثيروا هذا الموضوع، وكأن أحكام الشريعة الإسلامية ستحرم المرأة من كل أو جُل حقوقها، وهذا موقف العلمانيين واليساريين من الشريعة الإسلامية، فهم ينتفضون ويُسعرون حين ذكر الشريعة أو الدين، هذا موقف مبدئي منهم وليس نصرة للمرأة المصرية أو حرصًا على حقوقها،علمًا بأن نص العبارة سبق أن كان مقررًا في المادة (11) من دستور 1971 ولم يكن منهم أدنى اعتراض على وجود العبارة التي أزعجتهم هم وحدهم.
وغير متصور أن يكون هذا النص (دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية) ينتقص من حقوق المرأة المصرية أو حرياتها العامة التي سبق النص عليها في مواد المشروع، فمبدأ المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق والحريات والواجبات العامة قبل أن تقرره دساتير الشعوب أقرته أحكام الشريعة الإسلامية وطبقته على نحو يشهد على احترام الشريعة حقوق الإنسان رجلاً كان أم امرأة، وتبدو أهمية وجود هذه العبارة كحماية للمجتمع المصري من أحكام تقررها اتفاقيات أو معاهدات دولية وتأتي مخالفة للشرع أو أعراف وتقاليد المجتمع المصرية، كما في حالات الشذوذ الجنسي وزواج المثليين وتكوين الأسر خارج نظام الزواج، وما يتعلق بأمور الزواج والطلاق وأحكام المواريث، فهذه العبارة تضمن حماية للمجتمع والمرأة.
7- للمرأة المصرية كل الحقوق والحريات العامة والحق في الترشح لتقلد المناصب العامة والتمثيل النيابي شأنها شأن الرجل، وفقًا لما ورد في مواد الباب الثالث المخصص لسلطات الدولة، فليس هناك قيدٌ خاصٌ على ممارسة المرأة المصرية حقوقها العامة الواردة بباب السلطات العامة، تشارك الرجل في ممارسة العمل السياسي وتولي المناصب العامة في الدولة سواء النيابية أو الوزارية أو المحليات، وهذا مفاده أن المرأة المصرية تقف اليوم على قدم المساواة في الحقوق والحريات والواجبات العامة مع الرجل دون تفرقة أو تمييز.
ختامًا أودُّ تأكيد أن حيوية وحركة الشعب المصري- وفي طليعته المرأة المصرية- قادرة بإذن الله تعالى على أن تحوِّل هذه النصوص إلى واقع وحياة حقيقية، مؤكد أنَّ مصــر تتغير للأحسن وتسعى إلى غــدٍ أفضل.
--------------------
النائب السابق/ أســـامة جـادو
المحامي بالنقض والدستورية العليــا