بادرني صديقي بالتهنئة بالعيد المبارك، ثم تساءل في استنكار: لماذا تخاذل الأزهر والإخوان عن نصرة الشريعة؟ ولماذا خضعوا لابتزاز القوى السياسية الرافضة تطبيق الشريعة الإسلامية؟ ولمَّا رأى صديقي التعجب الشديد باديًا على وجهي؛ بادر بإخراج ورقة وقال: إنها وزعت في العيد، وفيها إشارة واضحة إلى أن الإخوة السبعة عشر من إخواننا في الدعوة السلفية هم وحدهم الذين يحملون قضية الشريعة في الجمعية التأسيسية، فيما تخلى الآخرون والذين كانوا يحملون شعار "الإسلام هو الحل"- والمعني بهم الإخوان طبعًا- عن هذا الأمر، ونزلوا في سقف مواقفهم مجاملة للتيارات الليبرالية.
فلما شرحت لصديقي حقيقة الأمر وموقف الأزهر والإخوان الحريص بمنتهى القوة على الشريعة صرخ فيّ وقال: ولماذا لا تكتب هذا الكلام الذي شاركتَ شخصيًّا في معظم حلقاته، حتى يكون الناس على بصيرة، وحتى يطمئن القلقون، ويتوقف الساعون للتشويه والإرجاف؟ ومن ثَمَّ قررتُ أن أكتب هذا المقال شهادة لله وإبراءً للذمة وتسجيلاً للتاريخ.
مفهومنا للشريعة:
قضية الشريعة الإسلامية هي إحدى المحدِّدات المهمة للهوية المصرية باتفاق الجميع في هذا الوطن بمن فيهم غير المسلمين الذين ينتسبون إلى ثقافة الإسلام وحضارته مع استمساكهم بدينهم، كما قال مكرم عبيد باشا: "أنا مسيحي ديانة، مسلم ثقافة وحضارة".
ولذلك كان النص على اعتبارها المصدر الرئيسي للتشريع محل اتفاق كل القوى والأحزاب والهيئات.
وليس المقصود بالشريعة ذلك الفهم المحدود الذي يقصرها على العقوبات والحدود الشرعية، بل هي نظام متكامل للحياة ينشِئُ الفردَ المؤمن الصحيح قويَّ الجسم، متينَ الخلق، مثقَّفَ الفكر، القادرَ على الكسب، سليمَ العقيدة، صحيحَ العبادة، المجاهدَ لنفسه، الحريصَ على وقته، المنظمَ في شئونه، النافعَ لغيره، الذي إذا وُجد وُجدت معه أسبابُ النجاح جميعًا؛ لأنه صاحب ضمير حي، وقلب مخلص محب لوطنه وأمته راغبًا في تقديم الخير للدنيا من حوله، كما أن الشريعة نظامٌ يوجِدُ المجتمعَ القائمَ على الحقوق والواجبات المتبادلة بين أفراده، المؤمنَ بالتعاون سبيلاً لتحقيق الحياة الكريمة، الرافضَ للتمييز بين المواطنين على أي أساس إلا التقوى والعمل الصالح، المبنيَّ على مكارم الأخلاق والقبول بالتنوع والدفع بالتي هي أحسن، كما أن الشريعة نظام رائع ينظم أمور الحكم الرشيد العادل الساعي إلى تحقيق الأمن من خوف والإطعام من جوع للناس، والتنمية الشاملة للثروات والموارد، وإنفاذ العدل التام بين المواطنين، والحفاظ على تكافؤ الفرص بين الأفراد في كل المجالات، وتحقيق الاستقلال للقرار الوطني، وتطبيق التوازن في العلاقات الخارجية، كل ذلك من خلال تربية متوازنة تشترك فيها كل هيئات تكوين الرأي والفكر من أسرة وإعلام ومؤسسات دينية وتربوية وتعليمية وثقافية وفنية.
الإخوان ووثيقة الأزهر:
من هنا كان من البدهي أن تكون قضية الشريعة في بؤرة اهتمام الأزهر، كونَه أهمَّ مؤسسة تعليمية إسلامية تحمل راية التعريف بالإسلام ونشر تعاليمه الكريمة، وفي بؤرة اهتمام جماعة الإخوان المسلمين التي جعلت مهمتَها الأساسية إرشادَ الناس إلى تعاليم الإسلام الصحيح وقيمه السامية والسعيَ الجادَّ لتطبيقها في الواقع، وتحمَّلت في سبيل ذلك تعليقَ قادتها على أعواد المشانق، والزجَّ بأبنائها في غياهب التعذيب في السجون والمعتقلات، ومصادرة أموالهم والعزل من وظائفهم، والمطاردة من كل الحكومات الرافضة للشريعة الإسلامية عبر عقود متطاولة من الزمن.
ومن ثَمَّ حين دعا الأزهر الشريف قوى المجتمع المصري لمناقشة وثيقة الأزهر كان الإخوان من أول الموقعين- ومعهم سائر القوى الإسلامية الأخرى- على ما ورد في الوثيقة من تأكيد الهوية الإسلامية لمصر، والنص على أن المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.
الجدل الذي دار حول "مبادئ الشريعة" وتطوراته:
حين تم انتخاب الجمعية التأسيسية للدستور ثار جدل حول مفهوم "مبادئ الشريعة" بعد أن تطوع البعض بتفسيرها بأنها الحرية والعدالة والمساواة وما إلى ذلك من المبادئ الإنسانية العامة، واستراب البعض الآخر من تفسير المحكمة الدستورية للمبادئ بأنها الأحكام قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وهو تفسير يلغي ما جاء في القرآن والسنة مما ليس قطعي الثبوت أو قطعي الدلالة، ولا مستند لهذا التفسير من لغة أو شرع، صحيح أن الأحكام قطعية الثبوت والدلالة تعد من مبادئ الشريعة، لكنها ليست كل مبادئ الشريعة، بل يدخل في المبادئ كذلك كل الأصول والقواعد العامة المستنبطة من نصوص القرآن والسنة وإجماع الأمة وما يقاس عليها مما في معناها.
ومن هنا بادر البعض إلى الدعوة إلى اعتبار "الشريعة" أو "أحكام الشريعة" الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع بدلاً من "مبادئ الشريعة"، فبادر الأزهر إلى دعوة التيارات الإسلامية لجلسة حوار حول النص الأفضل المحقق للغرض، وانتهى الحوار الذي حضره الإخوان والسلفيون والجماعة الإسلامية مع ممثلي الأزهر في حضور شيخ الأزهر إلى اعتماد عبارة "مبادئ الشريعة" مع الطلب من الجمعية التأسيسية أن ترجع إلى الأزهر لتحديد المقصود بالمبادئ، وبالفعل وافقت لجنة المقومات الأساسية على إضافة العبارة التالية إلى نص المادة الثانية: "ويكون الأزهر هو المرجعية في تفسيرها" يعني تفسير المبادئ، والمقصود بالأزهر: هيئة كبار العلماء، وليس شخص فضيلة الإمام الأكبر، لكننا فوجئنا بعد أيام ببعض القوى السياسية تعلن رفض هذه الإضافة بزعم أنها تعني تعدد المرجعيات في تفسير الدستور، وبررت رفضها بأنها تخشى أن يتولى مشيخة الأزهر فيما بعد شخص لا يكون على منهج الوسطية والاعتدال كما هو الحاصل الآن، وأعلن الأزهر أنه ليس متمسكًا بأن يكون مرجعية في الدستور، وقدَّم ممثل الأزهر فضيلة أ.د. حسن الشافعي للجمعية مذكرة ضافية يشرح فيها معنى المبادئ وحقيقتها، إلا أن ذلك لم يكن كافيًا لتطمين المتخوفين من إساءة التأويل لعبارة (مبادئ الشريعة).
ومن ثم دعا الأزهر مرة أخرى سائر القوى السياسية، وقدم مقترحًا وافق عليه الجميع بإضافة مادة تنص على "حظر سن أي قانون يخالف أحكام الشريعة الإسلامية أو الأحكام الواردة في الدستور"، وفي لقاء ضم ممثلي الأزهر مع ممثلين عن الإخوان وممثلين عن السلفيين توافق الجميع على هذا النص، باستثناء أحد الإخوة السلفيين الذي اعترض على الجمع بين أحكام الشريعة وأحكام الدستور في مادة واحدة، واقترح أن ينص على ذلك في مادتين منفصلتين، وهو اعتراض شكلي لم يمنع من التوافق على هذا النص.
ثم فوجئنا مرة أخرى ببعض القوى السياسية تعترض على هذه المادة المضافة، وتم لقاء للتوافق بين القوى المختلفة حضره ممثلون عن الإخوان وممثلون عن السلفيين، وممثلون عن القوى السياسية الأخرى، واتفق الجميع على إضافة مادة في فصل الأحكام العامة توضح مبادئ الشريعة، ونصها كالتالي: "مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية، وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة" وهذا ما استقر عليه التوافق بين الجميع والحمد لله.
هذا بخصوص المادة الثانية، أما فيما يتعلق بالأسرة والمساواة بين الرجل والمرأة فقد أصرَّ الأزهر والإخوان والسلفيون على التمسك بما ورد في دستور 1971 من النص على عدم الإخلال بأحكام الشريعة الإسلامية؛ وذلك حتى لا يكون هناك أي مجال للتأثر ببعض ما جاء في مؤتمرات السكان العالمية من الدعوة إلى القبول بأمور تخالف الشريعة الإسلامية، كممارسة الجنس خارج إطار الزواج الشرعي، أو تقنين المثليَّة والشذوذ، أو منع الآباء من تأديب الأولاد بالآداب الإسلامية، ونحو ذلك.
هذا إلى جانب الحرص على أن يكون الدستور معبرًا بوضوح عن هوية الأمة المصرية باعتبارها جزءًا من الأمتين العربية والإسلامية، ولا يمكن أن نقبل على الإطلاق بوصفنا أزهريين أو إخوان أي مادة تخالف الشريعة الإسلامية في دستور مصر بإذن الله.فهل ترى عزيزي القارئ الكريم أي تقصير من الأزهر أو الإخوان في تأكيد الهوية الإسلامية والحرص على الشريعة الإسلامية في الدستور المصري؟ أترك الإجابة للقارئ الكريم.
تهنئة:
للأخ الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح بتأسيس حزب مصر القوية الذي أرجو أن يكون إضافة حقيقية ومتميزة للحياة السياسية المصرية، وأن يقدم نموذجًا متميزًا في العمل السياسي المخلص الحريص على تقديم المصلحة العليا للوطن على كل الاعتبارات.