منذ سقوط مبارك وهناك محاولات مستمرة من بعض القوى لفرض وصايتها على الشعب وعلى اختياراته والتحدث باسم الشعب وتجاهل خيارات الشعب وادعاء أنهم أصحاب العلم والكفاءة والخبرة، وأن بقية الشعب بكل فئاته مجرد قطيع يجب أن يساق إلى حيث يريدون هم، وساروا وفق منهج إما فرض رأيي وقناعاتي وإما الإفشال والتشويه، ووصل الأمر لأقصى درجات الابتزاز السياسي وبخاصة عند تشكيل اللجنة؛ وكان هذا واضحًا وجليًّا للعيان ومنشورًا في وسائل الإعلام ومحاولاتهم لفرض أشخاص بأعينهم على الأعضاء المنتخبين في مجلسي الشعب والشورى، وللأسف أن بعض هؤلاء يطلق على نفسه لفظ النخبة والمثقفين، بل يحتكر ذلك لنفسه ظنًا منه أن الجلوس في الاستديوهات المكيفة والندوات الموجهة هو أداة التأثير الفاعلة في الشارع السياسي المصري.

 

وتناسى هؤلاء أن الشعب المصري أوعى بكثير من أن يحاول البعض خداعة أو أن يتحدث باسمه وهو لم ينتخبه، ويدرك هؤلاء المدعون أنه لا وجود حقيقي لهم في الشارع وأن المواطن المصري لا يعرفهم لأنهم لا يعرفونه ولا علم لهم بهمومه ولا مشكلاته ولا يعايشونه ويحتكون به ليعبروا عنه حق التعبير، ويعلمون علم اليقين أن في حال الاحتكام للشعب فستذهب آراؤهم أدراج الرياح وسيذهب الناخب ليدلي بصوته وفق ما يراه صالحًا له ولبلده، مسترشدًا بمن يثق فيهم ومن أعطاهم ثقته من قبل.

 

لذا نجد أنه كلما أحرزت الجمعية التأسيسية لوضع الدستور تقدمًا ملموسًا كلما زادت الحملة الممنهجة عليها، وكلما اقتربت من خط النهاية كلما زاد الحقد الأسود عليها، لأن البعض يريد أن يسجل اسمه في التاريخ بأنه من شارك في وضع هذا الدستور، وعندما لم ينل هذا الشرف يسعى لتسفيه ونقد أي منتج من هذه الجمعية المميزة، ونسى أو تناسى أنه بذلك سيكتب اسمه في سجل التاريخ ولكن ليس في سجل الشرف والفخار ولكن في سجل آخر.

 

إن عمل الجمعية التأسيسية ليس محصنًا من النقد أو التعديل، بل إنهم يطلبون ذلك من الجميع ويطرحون المسودة الأولى للنقاش المجتمعي للتعديل والحذف والإضافة، ولكن البعض يعارض ولا يوجد لديه مسوغ واحد علمي ولا واقعي ولا شعبي إلا محاولات التعويق والإفشال، ووصل الأمر بأحدهم أن رفض مسودة الدستور، بل الدستور نفسه إذا أقرَّ وإن كان أفضل دستور في العالم لاعتراضه على تشكيل اللجنة، ورفض البعض الآخر المشاركة في أي من أعمال اللجنة أو حتى إسداء الرأي والمشورة لها، والجزء الأخير لم يقرأ مسودة الدستور من الأساس ولكنه يعارضها وحسب.

 

إن حجم المتفق عليه في مسودة الدستور أكبر بكثير من المختلف عليه، وإمكانية التوافق حول المختلف عليه كبيرة وكبيرة جدًا إذا خلصت النوايا وتوحَّدت الجهود، ولكن محاولة البعض وضع العصا في العجلات وتعطيل عمل اللجنة المحترمة والمعبرة عن الشعب المصري بصورة كبيرة هي محل شك وريبة من جموع الشعب المصري الذي لا يحتك به هؤلاء.

 

وهناك تساؤل كبير لهؤلاء النخبة المميزة والألمعية: أين كنتم حين تمت التعديلات الدستورية في عهد مبارك؟ وهل كانت هذه التعديلات دستورية أم كانت محاولات لتوريث الحكم؟ فلم نسمع لكم صوتًا آنذاك ولم تنزلوا معنا للشوارع والميادين لرفض تلك التعديلات، بل كان بعضكم هو من صاغ تلك التعديلات وسوَّق لها على أنها قمة الدستورية والقانونية.

 

ولا أدل على ذلك من مهاجمة البعض مبدأ الرقابة الدستورية السابقة لقوانين الانتخابات الرئاسية في مسودة الدستور وتناسى هؤلاء أنه مقر منذ تعديلات 2007 ولم ينتقدها أو بالأحرى لم يجرؤ على انتقادها، وينتقد التأسيسية الآن وهي لم تغيِّر فيها شيئًا.

 

إن الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور تقوم بعمل جاد ومميز سيذكره التاريخ وتسير وفق خطوات ثابتة، يعز على البعض نجاحها، فهي تضم قامات كبيرة في مختلف المجالات وتعمل بلا وصاية عليها من سلطة أو مؤسسة وتعمل وفق خطة علمية وعملية واضحة وستعرض ما تتوصل إليه على الشعب للحوار المجتمعي قبل أن يعرض على الاستفتاء، فما المطلوب أكثر من ذلك؟

 

إن البعض يحاول إحداث واقع من الفراغ الدستوري والسياسي ليدخل البلاد في حالة من عدم الاستقرار الدائم حتى يتسنى له العيش على تلك المشكلات والتربح منها وبكل أسف، ويحاول هدم كل مؤسسة تبنى في البلد وبخاصة إذا جاءت عبر إرادة الشعب الحرة المباشرة، وكان هذا واضحًا في حل مجلس الشعب المنتخب وإهدار إرادة أكثر من 30 مليون مصري وحل الجمعية التأسيسية الأولى والسعي لحل الثانية ولحل مجلس الشورى، فهؤلاء لا يريدون الخير لمصر ولا لشعبها ولكنهم يريدون مصلحتهم وفرض وصايتهم على الشعب الذي لفظهم.

 

إن على مهاجمي الجمعية التأسيسية إيجاد بدائل أخرى في حالة عدم التوافق على مواد بعينها وأن يطرحوا مشروعًا مقابلاً للدستور أو لبعض مواده ليكون الخلاف بنَّاءً وليس هدَّامًا.

 

إن الجمعية تتعرض لحملة من التشويه والافتراءات والأكاذيب والشائعات التي تردد في وسائل الإعلام لمحاولة تشتيتها ولتعطيلها عن أداء مهامها وللنيل من منتجها النهائي، وهو ما لن يحدث بإذن الله لوعي الشعب وأعضاء اللجنة بتلك الأهداف المشبوهة ولحرص الجميع على إعداد مسودة دستور تليق بمصر.

 

إن مصر بحاجة لتكاتف الجميع لإنجاز الدستور بصورة مشرفة لمصر وليكون دستورًا دائمًا وتوافقيًّا ومعبرًا عن مصر ومشرِّفًا لها ولأبنائها، وليست بحاجة لمزيد من الانقسامات واختلاق الأزمات التي تفرِّق ولا توحِّد وتهدم ولا تبني.

 

إن مصر بحاجة لمن يحميها من أبنائها العاقين المعيقين لإعادة بنائها وتقدمها، الساعين لمصالحهم الشخصية والمهدرين للمصالح العامة، الذين وضعوا أيدهم في يد من سرق مصر وشعبها ومن تلطخت أيديهم بدماء شهدائها البررة.

 

إن مصر بحاجة لمن يحميها من بعض سدنة الإعلام المفسد الذي يسعى في الأرض فسادًا ويلوث كل شريف ويعيق كل تقدم نحو البناء، ويشوه كل جهد مخلص لمصر وشعبها من أجل الثبات على "المبلغ".

 

إن التحديات التي تواجه مصر- وليست الجمعية التأسيسية لوضع الدستور فقط- كبيرة وكبيرة جدًا ولكننا سنتخطاها بإذن الله بعزيمة قوية وإرادة ماضية ونية خالصة وجهود حثيثة وثقة كبيرة وحب عظيم لمصر وشعبها.

 

فلتتقدم الجمعية التأسيسية بكل قوة لاستكمال مشروع الدستور وتستمع للجميع وتأخذ كل الاقتراحات والتوصيات مأخذ الجد وتستكمل جهودها المشكورة لسرعة إنهاء مسودة الدستور ولا تعبأ بالمثبطين والمرجفين ولا تلقي لهم بالاً، فالشعب المصري الواعي مقدرٌ وداعمٌ جهود الجمعية وأعضائها، وكلنا ثقة في المنتج الذي سيصدر عنها وأنه سيكون مشرِّفًا لمصر وشعبها بإذن الله.