لا أدري من أين أبدأ، وهل الفقير مثلي يستطيع أن يكتب عن هذا الجبل الأشم الراسخ، والطود العالي الكبير، والقلب ينزف حزنًا على فراقه، والدمعات تسبق الحروف والكلمات، ولكن نقول كما قال قدوتنا وحبيبنا بأبي هو وأمي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على موت ابنه إبراهيم: "إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، إنا لله وإنا إليه راجعون، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون"، ونقول جميعًا "إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، إنا لله وإنا إليه راجعون، وإنا لفراقك يا أستاذنا ومعلمنا ومربينا نحن وأهلنا الأستاذ طه لمحزونون".
إنه زوج الخالة الحبيبة، وأستاذ وشيخ أبي الحبيب، بل هو أستاذ وشيخ كل عائلتي الكبيرة الحبيبة.. إنه الشيخ الوقور الهادئ الذي قليلاً ما كان يتكلم، لكنه عندما يتحدث تشعر أن الحكمة تخرج من بين ثناياه فتنير القلب والعقل، صامت لكنه جبل صامد يتكلم ويتحرك بالدعوة الحبيبة التي شُغِف بها، وآمن بها حتى أصبحت في كل كيانه مثل الدم في العروق.. يتنفس بها، يأكل بها، يرى بها، عاش حياته كلها بها ومات ثابتًا عليها بفضل الله تعالى، هو من الرعيل الأول من الإخوان المسلمين، رضي الله عنه وأرضاه ورضي عنا جميعًا وعن جميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء والأموات.. اللهم آمين.
وُلِد أستاذنا الفاضل والداعية الصامد الشيخ طه محمد أبو الليل في عام 1917م، في نزلة بني مهدي بمحافظة المنيا؛ حيث كان ابن عمدة القرية، تعرف على جماعة الإخوان المسلمين عن طريق صديقه الأستاذ محمد أحمد حسن، ويصف حاله فيقول: "كنت شابًّا عزبًا حديث التخرج، لا يجد ما يشغله سوى قراءة رواية الجيب، وكلما التقيت مع صديقي حسن كنت أسمع منه كلمات تجد مكانًا في نفسي، فعزمت أن أذهب للشعبة فوجدت فيها الواعظ والمهندس والإسكافي والساعي والكاتب، فاسترعى انتباهي هذا التفاوت الوظيفي الاجتماعي بين الحاضرين، وكانوا يتعاملون دون تكلّف، فكان الساعي يقول لمديره يا أخ زهدي، والمدير يقول للفراش يا أخ محمد، وكان جوّ الحب والمودة يسود المكان، ثم اصطحبني حسن لصالة كرة الطاولة حتى أذَّن المغرب فوقفت الحركة وسارع الجميع للصلاة، بعدها ظللت أواظب على الشعبة، كما كان يستلفت نظري شعار (الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا)، فظللت مواظبًا حتى رُشِّحتللجلوس في الأسرة الأولى، ودرست رسالة التعاليم فزاد فهمي للإسلام".
تزوج من خالتي الحبيبة الأخت الفاضلة الداعية تحية أحمد بشير، وكانت من بيت عالم أزهري فاضل، حيث كان والدها الشيخ أحمد بشير سليمان–جدِّي رحمه الله- محبًّا للإخوان المسلمين ومتعاطفًا مع فكرتهم،على الرغم منأنه لم يكن من الإخوان، وكان يَشُدُّ من أزرهم وقت المحن، حتى إن مشايخ الأزهر كانوا يهربون عندما يرونأحد الإخوان خوفًا من البوليس السياسي وبطشه إلا والدها؛ فكان الأستاذ الشيخ طه يُعجب من شجاعته، وظلَّ الشيخ أحمد مناصرًا لهم حتى عادت الجماعة إلى شرعيتها وعادت لها حقوقها بفضل الله تعالى، وكان الشيخ أحمد يعمل حينها في المنيا وكانت أسرته معه، فتقدم الأستاذ الشيخ طه محمد لخطبة الحاجة تحية ابنة الشيخ أحمد بشير، وكان الزواج في أغسطس 1951م، وقد رزقهما الله تعالى بثلاثة من البنين واثنتين من البنات.
وقد اعتقلت زوجه في محنة 1965، وزجَّ بها في سجن القناطر مع بقية الأخوات، بتهمة التعاون مع الإخوان ومعرفة الشهيد سيد قطب رحمه الله وأخواته.
له الكثير من الكتيبات التي أخرجها للدعوة وللأجيال القادمة؛ حتى تتربى على المعين الصافي الذي تربَّى عليه هو وإخوانه من الرعيل الأول من الإخوان المسلمين، الرعيل الذي كل واحد منهم كالشمس والقمر في نوره وإشعاعه على الناس بالخيرات وهذه الدعوة المباركة، كل واحد منهم جبل صامد أشمّ في ثباته وصموده أمام الطغاة والفراعنة، كل واحد منهم بلسم وشفاء في حنانه وشفقته على إخوانه وأبناء الدعوة، أسأل الله تعالى أن يرحم كل من لقي ربه ويتقبله في الصديقين والشهداء والصالحين والمتقين والمحسنين، ومن ما زال معنا منهم في هذه الدنيا الفانية أسأل سبحانه أن يبارك لنا في عمره وصحته وعلمه وعمله ودعوته وجهاده، وأن يعيننا أن نستلهم منهم ما نشئوا وتربوا عليه في هذه الدعوة المباركة الحبيبة دعوة الإسلام العظيم الشامل لكل مناحي الحياة.. اللهم آمين.
ومن هذه الكتيبات ديوانه المشهور (خطوات على الطريق)، وهو من أجمل ما ألَّف رحمه الله، يحكي فيه بالقصائد الحكيمة وشعر الدعوة تجربته الثرية في جماعة الإخوان المسلمين، هذه الدعوة التي صنعت الرجال الأبطال في شتى بقاع الأرض، يحكيتجربته التي لا بد لتلامذته ومحبيه والأجيال القادمة أن تستفيد منها، وتقتفي أثرها، وتنشر عبيرها في الآفاق:
فَتَشَبَّهُوا إِنْ لم تكونوا مِثْلَهم *** إِنَّ التَّشَبُّهَ بالرِّجالِ فَلاحُ
اعتقل مع إخوانه بعد ثورة يوليو، وانقلاب عبد الناصر على الإخوان فكانت المحنة عام 1954، وحُكم عليه بعشر سنوات، ولم يخرج بعدها،ثم كانت محنة 1965 وحكم عليه بست سنوات، سبعة عشر عامًا قضاها في السجن في سبيل الله تعالى، وهذه المحنهي في حقيقتها منح للإخوان ولغيرهم في شتى بقاع الأرض، وكان فيها رحمه الله في صحبة فضيلة الأستاذ مصطفى مشهور المرشد السابق لجماعةالإخوان المسلمين، وقد ثبتوا فيها ثبات الجبال الشمِّ الرواسي فما تزحزحوا على ما بايعوا عليه حتى أذن الله تعالى بالفرج والفتح المبين، حيث خرج الإخوان ومنهم شيخنا الأستاذ طه أبو الليل وانتشروا في بقاع العالم؛ لينشروا دعوة الله تعالى في كل مكان، دعوة الحق والعدل والحرية والحب والأخوة في الله تعالى، وكان نصيب شيخنا الأستاذ طه أن سافر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1974، وظلَّ يعمل بها وينشر دعوته في كل مكان فيها حتى توفاه الله عز وجل بها وهو ثابت صامد، بعد رحلة مع أمراض الشيخوخة، وتُوفِّي رحمه الله وهو في الخامسة والتسعين من عمره قضاها كلها في سبيل الله عز وجل، وقد أطال الله تعالى في عمره حتى رأى جوّ الحرية والعزة والكرامة يسود مصر وغيرها من بلاد الربيع العربي بعد هذه الثورات المباركة الطيبة، ورأى ثمار جهاده وصبره وتضحياته هو وإخوانه، ومهما كُتِب عن هؤلاء الأبطال فلن نوفِّيهم شيئًا من حقهم علينا وعلى هذه الأمة الإسلامية..
كان رحمه الله زاهدًا في هذه الدنيا يرضى بما يرزقه الله تعالى به، عابدًا، تقيًّا، صوامًا قوامًا، لا يترك قيام الليل أبدًا، وكان يحرص أشد الحرص على الصلاة في المسجد دائمًا حتى أثناء مرضه، وما ترك الصلاة في المسجد إلا بعد أن أقعده المرض، أين هذا ممن يتكاسلون عن الصلاة في المسجد وهم في ريعان الشباب؟!!، كان مجاهدًا في سبيل الله بالقرآن والسنة وهذه الدعوة المباركة، فكان دائم الحديث بها وعنها، مع الأقرباء والأرحام والأصدقاء والزملاء، حتى من يخاصمه ويعاديه، فكان يتمثل خُلُق حبيبنا وقدوتنا وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان قرآنًا يمشيعلى الأرض، صادقًا في قوله وعمله ودعوته وحياته كلها، نحسبه كذلك والله حسيبه ولا نزكِّي على الله أحدًا.
وكان مما ورثت عنه أنه عندما كنت أطلب منه الدعاء دائمًا- أنا أو غيري- يدعو بدعائه المعروف والمشهور به "نسأل الله لنا ولكم العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة"، فأقول له ادع لي بكذا وكذا...، فيكرر نفس الدعاء "نسأل الله لنا ولكم العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة"، وذكر لي مرة رحمه الله أن شيوخهم علموهم بأن هذا الدعاء يشمل كل شيء من خيري الدنيا والآخرة، فأي شخص يطلب منه الدعاء يدعو له بهذا الدعاء الشامل الرائع الجميل، وأدعو له بما كان يحب رحمه الله أسأل الله تعالى لنا وله ولجميع السلمين والمسلمات الأحياء والأموات العفو العافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.. اللهم آمين.
اللهم تقبل منه علمه وعمله وعبادته ودعوته وجهاده في سبيله تعالى لنشر تعاليم الإسلام العظيم والدعوة المباركة في كل مكان ذهب إليه وكان فيه، وأَعِنَّا على السير في الطريق الذي سلكه هو وإخوانه، وثبِّتنا عليه حتى نلقاكيا أرحم الراحمينوأنت راضٍ عنا، اللهم تقبله في عبادك الصالحين المصلحين المتقين المحسنين والمجاهدين، واحشرنا اللهم جميعًا في زمرة الحبيب النبي محمد صلى الله عليه وسلم،واجمعنا به في جنات الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.. اللهم آمين يا أرحم الراحمين.