هنا عرفات, هنا تُغفر الزلات, وتُسكب العبرات, وتنزل الرحمات, وتستجاب الدعوات، هنا رب كريم غفور رحيم قال عنه صلى الله علبه وسلم : ".... لله أرحم بعباده من الأم بولدها" رواه مسلم.
كم في هذا اليوم من ضارع منكسر؟ كم فيه من حزين أسيف؟ كم فيه من نائحٍ على ذنوبه، باكٍ على عيوبه؟ كم فيه من رجل بادر الله بالتوبة فبادره بالغفران؟ وخط بدموعه كتاب رجوعه، فحط عنه وزر العصيان؟
ليت شعري، كم ينصرف من هذا الموقف من رجال ما عليهم من الأوزار مثقال ذرة قد ملأت قلوبهم الأفراح وعلت وجوههم المسرة.
كان حكيم بن حزام رضي الله عنه يقف بعرفة ومعه مائة بدنة مقلدة ومائة رقبة فيعتق رقيقه، فيضج الناس بالبكاء والدعاء ويقولون: "ربنا: هذا عبدك قد أعتق عبيده، ونحن عبيدك فأعتقنا".
ورأى الفضيل تسبيح الناس وبكاءهم عشية عرفة فقال: "أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل فسألوه دانقًا أكان يردهم؟! فقالوا: لا، فقـال: والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق".
- عِبرة من سعة رحمة الله وعَبرة على المعاندين العصاة.
إنه يوم عرفة يوم تنزل رحمة الله، وما أدراك ما رحمة الله!! فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "جعل الله الرحمة في مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءًا وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه" (رواه البخاري).
فلا تيأسوا من روح الله، وأقبلوا على الله في هذا اليوم، وكلكم ثقة في رحمة الله وعفوه وغفرانه فما من يوم كيوم عرفة تُرجى فيه مغفرة الذنوب ورحمة علام الغيوب، فهو يوم من أيام العتق من النار، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء" (رواه مسلم).
وفي رواية عند ابن خزيمة أنه سبحانه يقول: "أشهدكم أني قد غفرت لهم، فتقول الملائكة: يا رب: فلان مرهق- أي مثقل بالذنوب- فيقول: قد غفرت لهم".
قال المناوي رحمه الله: "وهذه المباهاة تقتضي الغفران وعموم التكفير؛ لأنه لا يباهي بالحاج إلا وقد تطهَّر من كل ذنب؛ إذ لا تباهي الملائكة وهم مطهرون إلا بمطهر".
فمن أنت وما ذنوبك وقد غفر الله لقاتل المائة نفس وأدخله الجنة, من أنت وما ذنوبك بجانب فجور أبو نواس الذي تاب في آخر حياته وأنشد أروع قصائد التوبة والزهد حتى إنك لا تصدق أنه هو القائل هذه الرائعة في عرفات:
إلهَنا، ما أعدلَكْ *** مَليكَ كلِّ من مَلَكْ
لبيكَ، قد لبَّيتُ لكْ *** لبيكَ، إن الحمدَ لكْ
والملكَ، لا شريكَ لكْ *** ما خابَ عبدٌ أمَّلَكْ
أنتَ لهُ حيثُ سلَكْ *** لولاكَ ياربُّ هَلَكْ
لبيكَ، إن الحمدَ لكْ *** والملكَ، لا شريكَ لكْ
كلُّ نبيّ، ومَلَكْ *** وكلُّ من أهَلَّ لكْ
وكلُّ عبدٍ سألَكْ *** سَبَّحَ، أو لَبَّى فلكْ
لبيك إن الحمدَ لك *** والملكَ، لا شريك لكْ
والليل لمَّا أنْ حَلَكْ *** والسابحاتُ في الفلَكْ
على مجاري المُنْسَلَك *** لبيك إن الحمدَ لك
والملكَ، لا شريكَ لك *** يا خاطئًا ما أغَفَلك
اعمل، وبادِر أجلَك *** واختم بخيرٍ عملَك
لبيكَ، إن الحمدَ لك *** والملكَ، لا شريكَ لك
قال ابن المبارك: "جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاثٍ على ركبتيه وعيناه تهملان، فقلت له: مَن أسوأ هذا الجمع حالاً؟! قـال: الذي يظن أن الله لا يغفر لهم".
وأخرج ابن ماجة عن بلال رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له غداة جمع- أي بعد الوقوف بعرفه-: "يا بلال: أنصت الناس"، ثم قال: "إن الله تطول عليكم في جمعكم هذا فوهب مسيئكم لمحسنكم، وأعطى محسنكم ما سأل، ادفعوا باسم الله"، (رواه ابن ماجة بسند صحيح).
روى الإمام أحمد في المسند عن العباس بن مرداس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة والرحمة فأكثر الدعاء، فلما كان من الغد دعا غداة المزدلفة فعاد يدعو لأمته، فلم يلبث النبي صلى الله عليه وسلم أن تبسم فقال بعض أصحابه: يا رسول الله: بأبي أنت وأمي، ضحكت في ساعة لم تكن تضحك فيها، فما أضحكك أضحك الله سنك؟! قال: "تبسمت من عدو الله إبليس حين علم أن الله عز وجل قد استجاب لي في أمتي وغفر للظالم، أهوى يدعو بالثبور والويل ويحثو التراب على رأسه، فتبسمت مما يصنع جزعه".
ومن اللطائف قول بعضهم إن يوم عرفة كالمقدمة لعيد النحر، فإن فيه يكون الوقوف والتضرع والتوبة والابتهال والاستقالة، ثم يوم النحر تكون الوفادة والزيارة، ولذا سُمِّي طوافه طواف الزيارة؛ لأنهم قد طهروا من ذنوبهم يوم عرفة ثم أذن لهم ربهم يوم النحر في زيارته والدخول إلى بيته، فيوم عرفة كالطهور والاغتسال بين يدي هذا اليوم.
- ولمن لم يرزق الحج نصيب وافر:
ولم ينس رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحيم بأمته من لم يرزق الحج والوقوف بعرفة فأهداه هديةً من فيض كرم الكريم المتعال سبحانه وتعالى, هي غاية منى الحاج وأعظم مراد الساعين إلى الله؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم في صيام يوم عرفة: "إني احتسب على الله أن يكفر السنة الماضية والسنة والقابلة" رواه مسلم.
فما يضرك لو فرغت جوفك بالصيام وطهرت قلبك من الحقد والحسد والآثام وجلست في مسجدك أو في بيتك داعيًا وراجيًا الواحد العلام وقد نبهك نبيك أن أعظم الدعاء دعاء يوم عرفة؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة) صححه الألباني، وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا دعا يوم عرفة دعا رافعًا يديه إلى صدره كاستطعام المسكين.
أحبتي في الله: إن في القلوب شعثًا لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفي النفوس وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وفيها حزنًا لا يذهبه إلا الاجتماع على الله، وفي مثل هذا اليوم تقبل القلوب على الله لما فيه من الرحمة والمغفرة والعتق من النار، فمن لم يقبل قلبه على الله في يوم عرفه فمتى؟
وقد أهداك بعض السلف لطيفة من لطائفهم حيث قالوا:
من فاته في هذا اليوم الوقوف بعرفة، فليقم لله بحقه الذي عرفه، ومن عجز عن المبيت بمزدلفة فليبت عزمه على طاعة الله و قد رزقه وعافاه وأزلفه، ومن لم يقدر على نحر هديه بمنى فليذبح هواه هنا فقد بلغ المنى، ومن لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد فليقصد رب البيت فأنه أقرب إلى من دعاه من حبل الوريد.
- لا حرج إلا على من أذى الناس بلسانه ويده
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرر طوال حجه حين يسأل عن شيء قدم أو أخر: "افعل ولا حرج.. لا حرج.. لا حرج إلا على رجل خاض في عرض أخيه المسلم وهو له ظالم فذلك الذي حرج وهلك".
وقد أخرج الطبراني عن عبادة بن الصامت قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة: "أيها الناس إن الله تطول عليكم في هذا اليوم فغفر لكم إلا التبعات فيما بينكم، ووهب مسيئكم لمحسنكم وأعطى محسنكم ما سأل فادفعوا باسم الله" فلما كان بمزدلفة قال: "إن الله قد غفر لصالحيكم وشفع صالحيكم في طالحيكم, تنزل الرحمة فتعمهم ثم تفرق المغفرة في الأرض فتقع على كل تائب ممن حفظ لسانه ويده, وإبليس وجنوده يدعون على أنفسهم بالويل والثبور لما يرون من صنيع الله بأهل عرفات".
فانظروا.. رحمة الله متوقفة على شرط عدم إيذاء الناس باللسان واليد, رحمة الله متوقفة على التبعات التي عليك للناس, فعاهد الله في ذلك اليوم على أن ترد المظالم إلى أهلها وألا تخوض في الشائعات والاتهامات بلا تثبت, فأعراض الناس كأموالهم ودمائهم حرام علينا جميعها.
- الحج يثبت نسبنا دعاة الإسلام:
عندما تسير إلى بيت الله حاجًّا فأنت تسير في قافلة الأنبياء الذين قصدوا هذا البيت قبلك, فتثبت نسبك إلى هذه الطائفة المصطفاة من ولد آدم, وقد كان المصطفي صلى الله عليه وسلم يتذكر أثناء حجه أطياف الأنبياء الذين ساروا إلى البيت حجاجًا قبله كأنما ينظر إليهم من ساعته، فلما مر بفج الروحاء قال: لقد سلك فج الروحاء سبعون نبيًّا حجاجًا عليهم ثياب من صوف، وعندما مر بوادي عسفان قال: لقد مر به هود وصالح على بكرات حمر يلبون حجاجًا، وعندما مر بواد الأزرق قال: كأني أنظر إلى موسى واضعًا أصبعيه في أذنيه له جؤار إلى الله بالتلبية مارًّا بهذا الوادي، ولما مر بثنية هرش قال: كأني أنظر إلى يونس بن متى على ناقة حمراء يلبي.
فإنك إذًا أيها الحاج.. أيها المسلم.. ذو نسب عريق, إنك تسير في ممر الأنبياء والرسل الداعين إلى منهج الله وشرعه, فادع ربك الذي سيرك في طريقهم في الدنيا أن يجمعك بهم في الآخرة.
وادع لمن تفرقت بهم السبل أن يهديهم الله إلى مثل ما هديت إليه.
وتقبل الله منا ومنكم.