العبادة في الإسلام منها مطلق ومقيد، ومن العبادات ما قيد زمانًا وهيئة وأطلق مكانًا كالصلاة والصيام، فقد قيدت الصلاة زمانًا بقول الله تعالي: "إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا" (النساء:103) وقيد الصيام زمانًا بقوله تعالي: " شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ"(البقرة:185)، وقيدت هيئة الصلاة بقوله صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقيدت هيئة الصيام بما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كيفيته، وقد أطلقت الصلاة من قيد المكان بقوله عليه الصلاة والسلام: "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً"، أما الحج فهو عبادة مقيدة زمانًا ومكانًا وهيئة: فقد قيد زمانًا بقوله تعالي: "الحج أشهر معلومات"، وقيد مكانًا بقوله تعالى: "وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ"(الحج:27) أي إلى الكعبة؛ فلا يجوز الحج إلي غيرها، وقيد هيئة بقوله صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني مناسككم في الحج".
ورغم أن الحج عبادة مقيدة بهذه القيود الثلاثة: الزمان والمكان والهيئة إلا أن جوهرة عبادة مطلقة من كل قيد هي عبادة الذكر؛ فالذكر هو عمود الحج وذروة سنامه، ومقصودة تكوين اللسان الذاكر والقلب الحاضر والفؤاد العامر واليقين الذاخر.
هيا نتمعن آيات الحج لنستشعر مكانة الذكر المطلق من هذه العبادة المقيدة، يقول الله تعالى: "الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ" (البقرة:197)، وترك الرفث والفسوق والجدال مع بداية انعقاد النية لأداء مناسك الحج وقبل السفر من بلدك إلى الأراضي المقدسة من باب التخلية قبل التحلية، ومن باب التهيئة والإعداد والتوطئة للذكر؛ فلابد أن يمسك اللسان عن الرفث والفسوق، ويكف عن المراء والجدل، بل لابد أن يتخفف من فضول الكلام العادي قبل أن ينخرط في هذه التجربة الإيمانية الفريدة التي تربط اللسان والقلب برب البيت، وخالق الأرض والسماء، وتخلق الإنسان خلقًا جديدًا فيرجع منها كيوم ولدته أمه، وهذا هو منهج الإسلام في التربية المتدرجة المتأنية، وياله من منهج عظيم رحيم يراعي الطبيعة البشرية ويصعد بها في مدارج الكمال رويدًا رويدًا.
ومن باب الإعداد والتهيئة أيضًا قوله تعالى: " وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ"(البقرة:197)، فهذه الآية تستنفر همة الإنسان وتفجر فيه طاقات لا حدود لها لعمل الخير والتزود بزاد الآخرة، وتخلق فيه شعور المراقبة الدائمة لله تعالى فينضبط القلب بين الخوف والرجاء.
ثم تبدأ رحلة الذكر قبل وأثناء وبعد المناسك بقوله تعالى: "لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ"(البقرة:198) وتذكير الإنسان بضلاله القديم قبل هداية الله تعالى له يستحث في نفسه دوافع العمل والحرص علي التمسك بهذه الهداية فيأخذه من نفسه ويستله من الدنيا رويدًا رويدًا حتى يغمره في نهر الذكر غمرًا.
ثم يدربه على أنواع مخصوصة من الذكر في قوله تعالى: " ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"(البقرة:199)، فليس في الحج أي شارة تميز لأي أحد ولا أي قبيل ومن رأي أن يفيض من غير المكان الذي يفيض من الناس تميزًا أو كبرًا فعليه أن يستغفر الله، والاستغفار من الذنب يمثل الحساسية الإيمانية التي تجذب الإنسان وتمنعه من الانزلاق والاسترسال مع الهوي، والحج أساسه تحرير الإنسان من الإلف والعادة وأسر الهوى، وجعل حقيقة اليوم الآخر ماثلة في عقله وضميره.
وبعد المناسك يبقى الذكر أيضًا جوهرًا للحج: " فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا"(البقرة:200)، وذكر الآباء هنا والحجاج مرتحلون إلى أوطانهم يحدوهم الشوق إلى الآباء والأمهات والزوجة والولد والصحب والآل يؤكد حقيقة التعلق بذكر الله فقد تدرب الحاج ألا يفسح في قلبه مكانًا لغير الله ولابد أن يحافظ على ذلك حتى وهو يذكر الأهل والعشيرة فذكر الله أكبر حقًا، وأبقى أثرًا، وخير أملاً.
------------
* عضو الأمانة العامة لحزب الحرية والعدالة ونقيب المعلمين بسوهاج