البطش والقهر، الزهو والعلو، الظُّلم والطُّغيان، الفساد والاستبداد، الوأد والذبح عوامل التلاشي والفناء، وبذور الضياع والهلاك، عواقب وخيمة ونهايات أليمة تجتاح المحافظين على هذه الصفات..!! وتاريخ الأُمَم شاهد على ذلك كيف؟!! "إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ" "القصص: 4" كان الذبح والقتل عنوان المرحلة لكن الله يُعلِن هنا إرادته هو، ويَكشف عن تقديره هو، ويتحدَّي فرعون وهامان وجنودَهما بأنَّ احتياطَهم وحذرهم لن يُجْدِيهم فتيلاً: "وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ* وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ" "القصص: 5- 6"، وأصدر الله أمره على لسان موسى لقومه بالاستعانة به والصبر على قضائه وقدره فكانت أسباب النصر والبقاء "قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ" (الأعراف: 128) وهذه من عوامل النصر والتمكين والبقاء!! يريد الله أن يَمُنَّ على المستضْعَفين وأن يُورِثهم الأرض المباركة التي أعطاهم إيَّاها عندما استحقُّوها بعد ذلك بالإيمان والصَّلاح والصبر، وأن يمكِّن لهم فيها، فيجعلهم أقوياء راسِخِي الأقدام مطمئنِّين، "وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ" (القصص: 7)، فكانت نتيجة الصِّراع بين الحقِّ والباطل، وهي أنَّ الحقَّ دائمًا في انتصار وانتشار، وأن الباطل دائمًا في اندِثار وانكِسار، "كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُون* وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ* وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِين* كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ" (الدخان: 25-28)، ورَّثَوا جناتهم وعيونَهم، وزُرعوهم ومقاماتهم، ونعيمهم، وذهب المستكبِرون غيرَ مأسوف عليهم لا تتَّسِع لهم قبور، ولا تبش لهم أرض، ولا تبكي عليهم سماءُ؛ "فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ" (الدخان: 29)، أما المستضعَفون طالما أَخَذوا بالأسباب، وطرفوا الأبواب، واتَّبعوا ربَّ الأرباب، فلهم النَّجاة في الدُّنيا والآخرة.
ثم مرحلة ما قبل الميلاد والبعثة، والتي كانت تتسم بالوأد والقتل أيضًا، قتل المولد إذا كان أنثى وقتل المولود إذا كان رقم 10 تقربًا للآلهة، وامتلأ المجتمع الجاهلي بالتخبط في العقيدة متمثلاً في عبادة الأوثان، وتقديس الأصنام حتى زعموا "مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى" (الزمر:3)، ثم انتشرت عبادة النار والأحجار والأشجار والأبقار، وتشوه اجتماعي تمثل في ظلم المرآة في كبرها ووأدها في صغرها "وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ* بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ" (التكوير:8-9)، وكان الإنسان يباع ويشتري في سوق النخاسة والعبيد، وكذلك كان الزنى أنواعًا والربا أنواعًا، وكانت تنشب الحروب دهورًا على أتفه الأسباب، وفشل اقتصادي ظهر في احتكار فئة قليلة للمال وحرمان الباقي، وانحلال سياسي تمثل في احتكار السلطة لبعض زعماء القبائل في عصبية مقيتة أفسدت القيم والأخلاق، وبين هذا الحال المؤسف والواقع المرير يخرج الأمل متمثلاً في مولد خير البشر صلوات ربي وسلامه عليه، فكان ميلاده ميلاد أمة، ومولده مولد رسالة، نعم رسالة بيضت وجه التاريخ، وأضاءت ربوع الدنيا، وغيرت هذا الواقع السيئ، ورفعت المعاناة عن كاهل البشر، وأثمرت دعوة الإسلام التي بعثت الأمل من جديد "كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ" (المجادلة:21)، "إنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ" (غافر:51)، أراد الله أن يخلص الدنيا من هؤلاء ويقطع دابرهم فكان ذلك على يد محمد في موقعة الفرقان "وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ" الأنفال:الآية7). وكان النصر المؤزر "وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (آل عمران: الآية 123)، وكان ميلاد محمد صلى الله عليه وسلم سببًا في القضاء علي أبو جهل وأتباعه.
وفي العصر الذي نحياه تأله بعض الحكام فكانوا أفسد من فرعون وأظلم من أبو جهل كيف؟!! إذا كان فرعون يقتل الذكور، وإذا كان أبو جهل وقومه يقتلون الإناث فإن الفراعنة الجدد كانوا يقتلون الذكور والإناث لا يفرقون..!! وليست ليبيا أو اليمن أو مصر أو سوريا منا ببعيد..!! عندما تجبر القوم واستبدوا بمواطنيهم وقتلوا الأطفال والنساء والشباب والشيوخ في مظاهرات سلمية، وقبلها في أماكن بوليسية، تربعت العناية الإلهية، وتدخلت الآيات الكونية، فقامت الثورات العربية وأسقطت هؤلاء المتألهين هربًا "بن علي" أو قتلاً "القذافي" أو حبسًا "المخلوع"..!! والجزاء من جنس العمل..!! لو لاحظتم بن علي كان ينفي معارضيه، والقذافي كان يقتلهم، والمخلوع كان يحبسهم، وحكمة الله أن يتجرعوا من الكأس نفسه الذي أذاقوه للناس، والله يخلق ما يشاء ويختار وكل شيء عنده بمقدار، ألا يتعلم بشار فيكف عن قتل الأحرار..!! ألا يتعلم أولئك الذين يسيرون علي خطى المخلوعين ويحاولون إرساء الفساد من جديد، أن قتل الإنسان خط أحمر وحرمة المسلم أعظم عند الله من حرمة البيت..!! لذلك كان ميلاد ثورات الربيع العربي سببًا في سقوط المتألهين: بن علي، المخلوع الأشهر، القذافي، صالح، وأتباعهم، وقريبًا جدًا سيسقط بشار بعون الله، وغيرهم في الطريق آيلون بإذن الله!! والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
-----------------
Alnakeeb28@yahoo.com