نشرت وسائل الإعلام خبر موافقة رئيس قطاع الإنتاج الثقافي الدكتور خالد عبد الجليل على إقامة صالون أسبوعي للدكتور مصطفى النجار النائب البرلماني السابق عن مدينة نصر؛ ليخاطب من خلاله أبناء دائرته، ويهاجم فيه رئيس الجمهورية وسياسة حكمه، مخالفًا بذلك قرار وزارة الثقافة منع استخدام القاعات ودور عرض المسرح التابعة لمؤسسات الوزارة في الأنشطة السياسية ومؤتمرات الدعاية الانتخابية واللقاءات الجماهيرية سواء بالتأجير أو الاستضافة المجانية!

 

تذكرت وأنا أقرأ هذا الخبر كيف ألغى الدكتور خالد عبد الجليل الندوة التي دعا إليها الرئيس السابق للمركز القومي للمسرح الأستاذ "سيد محمد علي" عن مسرح الإخوان المسلمين، بعد أن وجه الدعوات لعدد من الأساتذة الأكاديميين المتخصصين في المسرح وعدد من المهتمين بالشأن المسرحي، وقد كنت أحد المدعوين.

 

كان موعد الندوة في يوم الإثنين 16 يوليو الماضي على مسرح الهناجر، وأخبرني الأستاذ سيد أنه حصل على الموافقة بإقامة الندوة؛ وأنه يستعد لإصدار نشرة عن المركز تتحدث عن مسرح الإخوان ودوره في الحياة الثقافية خلال فترة الأربعينيات، وقبل الموعد المحدد بيومين أخبرني هاتفيًّا بتأجيل الندوة لأجل غير مسمى، وحين سألته عن السبب، قال المسرح- مكان الندوة- به بروفات عرض مسرحي جديد، وحين اتصلت بأحد الأصدقاء العاملين في المسرح؛ لأتحقق من الأمر لشعوري أن هذا الإلغاء غير طبيعي، خاصةً أن الأستاذ سيد كان متحمسًا جدًا لاهتمامه الشخص بتاريخ الإخوان المسرحي، فعرفت أنه لا توجد عروض جديدة، وأن الإجازة الأسبوعية للمسرح هي يوم الإثنين، ولذلك كان قرار عقد الندوة في هذا اليوم بالذات.

 

عدت للأستاذ سيد لأستوضح منه أكثر، فعرفت أن الدكتور خالد عبد الجليل ألغى الندوة! خوفًا من المظاهرات والشغب الذي يمكن أن يحدث في المسرح وأن الندوة تحتاج قرارًا خاصًا من وزير الثقافة، الذي لم يكن موجودًا وقتها!.. فتعجبت وقلت ما الذي سنقوله في الندوة حتى يتظاهر الناس علينا؟! إلا إذا كان الدكتور خالد يقصد أن الإخوان هم من سيقومون بالشغب!

 

لم أتوقف طويلاً أمام هذا السبب، خصوصًا أنني أدرك أن هوى وزارة الثقافة مازال يشطح في خيالات الماضي، ومازال أكثر المسئولين يتحركون بحذر إذا كان في الأمر ما يتصل بالإخوان، البعض- ومنهم الدكتور خالد عبد الجليل- يحاول الظهور في موقف المنفتح على كل التيارات، لكن الواقع أثبت أن الابتسامات وحدها لا تكفي للتظاهر بهذا الانفتاح وهذه الأريحية المصطنعة!

 

أحالني موقف الدكتور خالد من الندوة الخاصة بمسرح الإخوان إلى موقف سابق معه، سوفني  خلاله ثلاثة أشهر لمجرد أنني تقدمت لمكتبه طالبًا الحصول على مكان أو قاعة أو أي ركن نقوم فيه بعمل بروفات عرضنا المسرحي الذي ظهر للنور والحمد لله في صالة صغيرة بمكتب بعض الأصدقاء، بعدما يأسنا من ابتسامات الدكتور خالد التي لم يترتب عليها أي رد فعل إيجابي سواء برفض الطلب أو بالمساعدة الفعلية.

 

ثلاثة أشهر كاملة والدكتور خالد يعدنا ويؤكد أنه شخصيًّا مهتم بتجارب الشباب والهواة، ويبدو أن اهتمامه لم يكن لإنجاح هذه التجارب وإنما لأمور أخرى، لكننا لم نفهم الرسالة إلا بعد ثلاثة أشهر!

 

 ولم نظفر من الدكتور بغير الابتسامات العبارات الودودة جدًا، والوعود المطاطة، بالرغم من أنه أنتج لفرقة هواة مماثلة عرضًا مسرحيًّا على نفقة الوزارة، ومنحها 15 ليلة عرض على مسرح الهناجر، وتكلفت مبلغًا كبيرًا!

 

فهل نعتبر منع الدكتور خالد ندوة مسرح الإخوان والتضييق على فرق الهواة التي تنتمي للإخوان فضيلة تضاف لفضائله التي يرسلها للمستبدين بالثقافة في بلادنا؟! من الذين تكلست أفكارهم وضمر إبداعهم بمرور الوقت لأنهم لا يحدثون غير أنفسهم، ولا يسمعون غير أنفسهم أيضًا، ويغلقون النوافذ، ويخافون من الهواء الظازج؟!

 

إننا نطالب أن تكون وزارة الثقافة موئل كل المثقفين المصريين، وليس الماركسيين وحدهم أو من شاكلهم في الهوى فقط، فالثقافة للجميع، ولكل التيارات أن تمارس حقها في التواصل مع الجماهير، ومع محبي الثقافة والفنون دون تمييز ودون أحكام مسبقة تثبت جهل وتطرف الذين يقصون غيرهم، خصوصًا أولئك الذين يصرخون بالليل والنهار يطالبون بالضمانات على حرية الإبداع وهم أول من ينتهك هذه الحرية ويصادرها، ويستحوذ عليها!