إذا كان توفير بذور التقاوي الجيدة يسهم في تلبية الاحتياجات المتنامية للغذاء، فإن الرسالة الإعلامية الناضجة تسهم في تنمية وتشكيل وجدان ووعي المواطن وضمير المجتمع. إن الغش الإعلامي أخطر وأقبح من ترويج البذور المسرطنة واللحوم المسرطنة وأدوية تحت السلم وغير ذلك من جرائم التزوير والغش المجرَّمة قانونًا.
إن الغش في تشكيل وجدان الإنسان أخطر من الغش في تصنيع المنتجات المادية التي تدخل في بناء جسمه. وتشويه الوقائع المهمة له مخاطر جسيمة يعلم الله مدى خطورة آثارها السلبية. فالرسالة الإعلامية المشوهة تنخر في عظام المجتمع.
هذا بمناسبة حلقة "الذكرى السنوية لأحداث ماسبيرو" قدمها الإعلامي يسري فوده في برنامج "آخر كلام" في قناة "أون تي في" بتاريخ 9/10/12. وقد انتقى يسري فودة ضيوفه لعرض قراءة جانب واحد للأحداث. ورأيناه في هذه الحلقة يلمِّح ويصرِّح بتعرض المصريين المسيحيين لاضطهاد نازي من قِبل إخوانهم المصريين المسلمين. ولكي يؤكد فودة نظريته بدأ بصراخ شيرين الصياد، ثم استعان برواية الأستاذ المحترم" محمد جوهر" رئيس مجلس إدارة قناة "25 يناير " لجانب من الأحداث. وهذه الاستعانة بـ "جوهر" في البرنامج أسهمت في إبراز ناحيتين هما: أن المسلمين أنفسهم يشهدون بالاضطهاد الديني "وشهد شاهد من أهلها" وهذا مكرُ خبيث يريد أن يثبت تهمة النازية على المسلمين. وفي الوقت نفسه تبرز الحلقة أنك قد تجد "شندلر" بين هؤلاء المسلمين. فودة شبَّه جوهر بـ "شيندلر" الألماني الذي أنقذ ألف يهودي من محرقة النازي. وقد رفض فودة أي تفسير آخر يخالف نظريته للهولوكست مع المصريين المسيحيين. ما أشبه الليلة بالبارحة!! فودة يقلد طريقة مبارك في تشويه العلاقة بين المصريين. لقد تعود نظام مبارك على إخراج بعض الأحداث علي أنها فتنة طائفية. وهذا كان بالطبع لخدمة مشروع التوريث، وللحيلولة دون ممارسة الإسلاميين لحقوقهم السياسية.
نقول للأستاذ فودة إن اتهاماته في الحلقة بتواطؤ العسكري في أحداث ماسبيرو، جاءت في وقت يثير الحيرة. لماذا برز هذا الاتهام في هذا التوقيت ولم يظهر أيام العسكري؟ عليه فقط أن يستضيف فريقًا من السياسيين الذين يحبهم ويحبونه مثل: محمد أبو حامد ومصطفى بكري وعمرو حمزاوي والمستشارين الزند ويحيى الجمل وتهاني الجبالي ورجائي عطية وغيرهم. لنعرف بوضوح شديد تميع المواقف ومدي التدليس الذي يُمارس علي شاشات القنوات الخاصة. أشك تمامًا في أن يجرؤ على تلك المواجهة، وأعتقد أن بعض أعضاء هذا الفريق سيرفض تلك المكاشفة العلنية. تلك المواجهة لو حدثت ستكشف صروحًا واهية مثل بيوت العنكبوت.
أرى أن أحداث ماسبيرو يمكن قراءتها على خلفية ممارسات سياسية خاطئة للمجلس العسكري، سواء في أحداث مسرح البالون وشارع محمد محمود، وشارع مجلس الوزراء وغيرها من الأحداث التي سالت فيها دماء المصريين. جميعنا نرفض تمامًا هذا النزيف لدماء المواطنين، ونرفض فكرة تواطؤ العسكري التي يدَّعيها فودة.
هناك توافق بين الهولوكست المزعوم بالحلقة، ومزاعم ساويرس بخصوص الاضطهاد الديني. كما أن هناك تناغمًا بين الهولوكست المزعوم بالحلقة، وآراء ساويرس وأبو حامد وحمزاوي اللذين يناديان بتدخل الأمريكان في شئوننا الداخلية. الغريب أن ساويرس مالك قناة "أون تي فى"، التي بثت تلك الحلقة، يا محاسن الصدف!!!
• يثور تساؤل مهم: هل من يملك قناة خاصة أو قنوات يدير ويتحكم في كل تفاصيل برامج تلك القنوات؟. أم أن بعض الإعلاميين بتلك القنوات يبادرون بتنفيذ أحلام ملاكها؟. "أطعم الفم تستحي العين". هل نترك هؤلاء الإعلاميين نهبًا لأحلام ملاكها؟ أين الميثاق الإعلامي والأخلاق المصرية في بعض برامج تلك القنوات؟ هل أصبح السماء الإعلامي نهبًا للقطاع الخاص؟ هل يظل المال الخاص متحكمًا في صياغة ضمير الأمة وتشكيل وجدانهم؟
• لا يجوز أن يتحكم المُمَوِّل في صياغة وجدان المصريين. ويجب أن نفكر في طريقة أخرى لكيفية تقدير مجهودات الإعلاميين العاملين بالقنوات الخاصة. وأضع اقتراحًا كبداية متواضعة يتمثل في تشكيل لجان من الإعلاميين من المشهود لهم بالحيادية، تقوم تلك اللجان بتقديرات ملزمة لرواتب ومكافآت مقدمي برامج القنوات الخاصة، فهذا يحمي الإعلاميين من ابتزاز مالكي القنوات الخاصة. وأقترح أيضًا أن يشترك في هذا التقييم مفكرون وحزبيون والأزهر والكنيسة وغيرهم من فئات الشعب المصري وفق آليات منضبطة.
• أقترح أن يتم وضع ميثاق إعلامي يقيم أخلاقيات العمل الإعلامي. كما أن القانون يجب أن يحمي الوطن وثوابته ووعي المواطن، فحقوق الإعلاميين يجب أن تقابلها واجبات ينظمها القانون. ويجب ألا نخضع للقصف الإعلامي الذي يريد أن يضفي على الإعلاميين قداسة، فهم مثلهم مثل باقي المواطنين يجب أن يحاسبوا على أخطائهم المهنية الجسيمة. ويجب تجريم الغش والتدليس الإعلامي، فالقانون يجب ألا يتصدَّى فقط للسب والشتم والقذف الإعلامي، بل يجب أن يتصدَّى أيضًا للتناول الانتقائي للأحداث الذي يغيِّب ويشوِّه الثوابت والقضايا الوطنية المهمة.
--------------
* الأستاذ بكلية التربية جامعة سوهاج.