عاشت الأحزاب المصرية وما زالت منعزلة عن الميدان، تارة مجبرة بفعل نظام الاستبداد والفساد والقمع الذي حدد إقامتها في مقرات ضيقة وصحف غير شيقة، فضلاً عن أجواء الشقاق لا الوفاق بين القيادات والقواعد، وتارة برغبتها حين خرجت من المقرات للإقامة في الفضائيات.

 

في كلتا الحالتين لم تنجح غالبية الأحزاب في ترجمة الأفكار والسياسات المعلنة لتنتقل بها من مربعات التنظير إلى مربعات العمل والتأطير، بل انتقلت لمربعات الفك والتركيب "تكوين ائتلافات وتيارات وتجمعات، ترك أحزاب والانضمام لأخرى" نمط الفك والتركيب معمول به لكن وفق برنامج وسياسة ورؤية وليس مجرد التعبئة والاحتشاد للتصدي أو إسقاط تيار أو تشويه فصيل.

 

الواقع السياسي يشير إلى هذا النمط العجيب في الممارسة الديمقراطية بعد ثورة بحجم 25 يناير، حين شعر غالبية المربع الليبرالي بأنهم لم ولن يتمكنوا من المنافسة السياسية وفقًا للمعايير الديمقراطية، فأحدثوا غبارًا كثيفًا ينال في المقام الأول من جماعة الإخوان المسلمين، وفُرضت على الساحة مصطلحات غير ديمقراطية منها "أخونة الدولة والمؤسسات"، بل تقدم البعض في الاتجاه المعاكس حين دفع  بصغار السن والخبرة لاستدعاء ثقافة وألفاظ التهويل والتخوين والاتهام، لنعود سنوات للخلف ويتحول السجال السياسي إلى اشتباك خشن ينال من وحدة الصف والتعايش والقبول المتبادل.

 

الواقع السياسي العام لكل ديمقراطيات العالم يشير إلى وجود كيانين أو أكثر لتصدر أو قيادة المشهد السياسي، الواقع يؤشر لحتمية وجود قوى وأحزاب كبيرة ومتماسكة تمثل العمود الفقري للنظام السياسي وليس النظام الحاكم والفرق بينهما كبير.

 

التاريخ والواقع يشير إلى أن مصر، بل غالبية دول المنطقة بحاجة لكيان بحجم الإخوان المسلمين يمارس العمل الدعوي دعمًا لمنظومة القيم الأخلاقية والاجتماعية، وكيان بحجم الإخوان يمارس العمل السياسي ليكون نقطة الانطلاق لتنافس سياسي ، قبول أو رفض الإخوان وجهة نظر، وممارسة الإخوان حقوقهم العادلة والمشروعة حق دستوري وإنساني غير قابل للنظر.

 

نحن بحاجة إلى ميثاق شرف وطني يحكم السجال ويضبط العلاقة بين مكونات المشهد السياسي، محاولات إضعاف كيان بحجم الإخوان خسارة وطنية المستفيد منها ليس الأحزاب بالطبع.

 

محاولات إضعاف الإخوان لم ولن يمنح الأحزاب أو الكيانات المحتشدة المزيد من الفرص، لكنها ستضعف المشهد السياسي كاملاً، قوة الأحزاب والكيانات المحتشدة تنبع أصلاً من داخلها وليس من إضعاف الأطراف والقوى الأخرى.

 

الإخوان يمتلكون العديد من مقومات القوة والبقاء والاستمرار، والتاريخ خير شاهد، لكن تبقى الإشكالية في الذين يستنزفون مواردهم البشرية والمادية في محاولات متتالية لإضعاف الإخوان فتنتهي الجولات بنجاحات في المربع الإخواني ومزيد من الإخفاقات في مربعات قوى وكيانات التعبئة والاحتشاد.

 

خلاصة المسألة: إضعاف الإخوان ليس هو الحل.

--------------

* المستشار الإعلامي لوزير التربية والتعليم.