لا شك أن التناحر السياسي الذي أشعلته القلة الليبرالية واليسارية، يقود البلد إلى المجهول، ويضيع جهود المخلصين، ويضر بتلك القلة نفسها.. وما شاهدناه الجمعة الماضية (19/10) يؤكد أن المعارضة الحقيقية ليس لها وجود حتى الآن، وما نراه ليس إلا زعامات قصيرة النظر يتبعها دهماء لا يفرقون بين الخطأ والصواب.

 

انتظر الناس مليونية يقودها 70 ائتلافًا وحركة سياسية، تصحح أخطاء النظام- إن وجدت- وتنادي بمطالب حقيقية، فإذا هي جماعات متناحرة، لكل منها رأيه، وبدلاً من النصح والإرشاد قامت بإطلاق بذاءاتها وشتائمها، فما كفت عن ذلك حتى انتهى اليوم، ناهيك عما جرى في ميادين القاهرة من ضرب ومناوشات، ومطاردات في الشوارع، وحرق أعلام.. إلى آخر تلك الأفعال الصبيانية المبتذلة.

 

إن المعارضة حق مشروع للجميع، شريطة أن يصب ذلك في مصلحة الوطن والمواطن، لكن ما نراه الآن خارج عن المألوف، بل صار يزعج المواطنين أيما إزعاج، فبدلاً من نشر الدعوات للعمل والخروج من مأزقنا الراهن، صرنا نسمع في كل فج ناعق، يهرف بما لا يعرف، ويسب الإخوان ويشتم المرشد، وهو لا يدري من الإخوان ومن المرشد، كل الذي يعرفه أن "الباشا الكبير عايز كده".

 

نأمل أن تكون مظاهرة الجمعة الفاشلة هي آخر تلك المظاهرات العنصرية، خصوصًا أن هذه المظاهرات-بشهادة اليساريين أنفسهم- لم تعد تجدي نفعًا، أي لم تفلح في تهييج الناس كما كانوا يتوقعون، فلم الإصرار إذًا على تعطيل مصالح الخلق، وبث الشائعات وإثارة البلبلة في عقول وقلوب الناس؟!

 

مصر بحاجة إلى معارضة حقيقية وطنية شريفة، تنحي مصالحها الخاصة جانبًا، وتعلي- في المقابل- مصالح الوطن، معارضة تؤمن بالديمقراطية، وتحترم عقول الناخبين، لا أن تقاتل من أجل منصب أو كرسي، أو تسطو على حق الأغلبية بالسب والشتم والخروج عن حدود الأدب.

 

وإذا كان الشعب قد ثار على نظام مبارك الفاسد؛ للأخطاء العديدة التي ارتكبها في حق الجميع، فإن تلك المعارضة لم تفارق خطي هذا النظام قيد أنملة؛ من حيث الكبر والبطر، والتجاوز مع الآخر وإنكار حقه، واستغلال جميع الوسائل، المشروعة وغير المشروعة، من أجل الوصول إلى السلطة واختطاف الحكم.

 

لازلت أذكر- بكل أسف- ما أعلنه مرشح الرئاسة الناصري، ومن ورائه "النخب والمثقفون" من وجوب تنحي الرئيس مرسي بعد فوزه في الانتخابات، وأن يقوم هذا المغرور مقامه، فهو يرى أنه الأولى بالكرسي، الأحق بأن يكون رئيسًا لمصر، هو إذًا تدليس المعارضة الحالية، وسوء فعالها، وغياب أو تغييب معاني الديمقراطية عن سلوكها، ولو احتكمت في لحظة عقل إلى تلك المعاني والقواعد لسلمت وسلمت مصر، ولكن هيهات بين رجل مخلص يفني في سبيل وطنه، وآخر لا يقرب المخاطر، ولكنه بعد زوالها يبحث عن الغنائم: أين ذهبت ولمن ذهبت!!

 

نظرت بعين الحسرة إلى مشهدين اثنين في ذلك اليوم (الجمعة 19/10)، بين ممارسة ديمقراطية نزيهة ومشرفة يقوم بها الإخوة في حزب الحرية والعدالة؛ لاختيار رئيس للحزب خلفًا للدكتور مرسي، وبين تصرفات هوجاء في ميدان التحرير، وهالني الفرق بين المشهدين، وأسفت لما قام به الآخرون ممن نظموا المظاهرات، فالأولون ضربوا المثل في النظام والنزاهة والاحترام، وأولئك ما رأينا منهم سوى الإسفاف والانفلات، والتحريض على العنف، ولطم الخدود وشق الجيوب على أوهام عششت في أدمغتهم الخربة.

 

عندما كان الإخوان في موقع المعارضة- فيما مضى- لم نسمع أنهم خرجوا على النظام- رغم فجره وفحشه- أو بادلوه عنفًا بعنف، بل ظلوا لعقود ملتزمين النضال السلمي، يتحركون في إطار القانون، وقد طالتهم يد الغدر بالملاحقة والتعذيب، فما جرّحوا شخصًا ولا هيئة، ولا قالوا كلمة شائنة- ليس خوفًا من الديكتاتور- وإنما التزام بقيم نشئوا وتربوا عليها.. وهو ما نريده في معارضة اليوم: أن تحكمها الأخلاق، وأن تتعلم- على الأقل- معاني الرجولة والانتماء.