يقول صلى الله عليه وسلم "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام– يعني أيام العشر– قالوا يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه ولم يرجع بشيء من ذلك"( 1) رواه الجماعة إلا مسلم والنسائي. ومن فَضْل الله علينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حث على مطلق العمل الصالح. فكل عمل صالح مضاعف أجره، عظيم نفعه، في هذه الأيام، وقد دأَب كثير من الناس على الإكثار من النفقة والقربات في شهر رمضان أملًا في مضاعفة الثواب، وها هي فرصة أخرى لك بعد رمضان تستطيع أن تقوم فيها بأعمالٍ صالحاتٍ يضاعف ثوابها أضعافًا مضاعفة قد تصل إلى ألف ضعف، فقد روى عن أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد فيها من عشر ذي الحجة يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة وقيام ليلة منها بقيام ليلة القدر"( 2) رواه الترمذي وابن ماجة وفي رواية للبيهقي" فإن صيام فيها بصيام سنة والعمل فيها يضاعف بسبعمائة ضعف".

 

ويقول الأوزاعي: بلغني أن العمل في اليوم من أيام العشر كقدر غزوة في سبيل الله يصام نهارها ويحرس ليلها إلا أن يختص امرؤ بشهادة.

 

وقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم العمل الصالح مطلقًا دون تقييد في بعض الأحاديث وذكر أحد أنواعه في حديث آخر؛ حيث يقولصلى الله عليه وسلم "ما من أيام أعظم عند الله سبحانه وتعالى ولا أحب إلى الله العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد"( 3) ففي هذا الحديث بين أحد هذه الأعمال– على سبيل المثال لا الحصر– ألا وهو ذكر الله بالتكبير والتهليل والتحميد.

 

ولا يقصد منه أن نقصر العمل الصالح على التكبير والتهليل والتحميد فنُضَيق واسعًا ويفوتنا من الخير الكثير والكثير، ولكن علينا أن نجتهد في العمل الصالح بشتى أنواعه ومختلف طرقه لعل طريقًا منها يوصلنا إلى مرضاة الله تعالى، وخاصة أنه في إحدى الروايات ذكر أن مطلق العمل الصالح يضاعف بسبعمائة ضعف، وتأكيدًا على أن مطلق العمل الصالح هو عين المراد، ففي أحاديث سيد الأنام- صلى الله عليه وسلم- أن أفضل عمل في يوم العيد- وهو عاشر هذه الأيام- هو نحر الأضحية ولذلك سمي بيوم النحر قال تعالى" فصل لربك وانحر،" وقال صلى الله عليه وسلم: "ما عمل ابن آدم يوم النحر عملًا أحب إلى الله من إهراق دم، وأنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله عز وجل بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفسًا".( 4)

 

فها هو يوم النحر وهو آخر يوم في العشر الأول من ذي الحجة وأفضل عمل فيه هو ذبح الأضحية قربة إلى الله.

 

والعمل الصالح: عمل أمر به الشارع أو حث عليه الشرع، ومعنى صالح في اللغة أي نافع أو مناسب فصلح صلاحًا أو صلوحًا أي زال عنه الفساد وصلح الشيء أي كان نافعًا أو مناسبًا، ويقال هذا الشيء يصلح لك "( 5)

 

والعمل الصالح شرعًا هو ما كانت النية خالصة فيه لوجه الله وكان موافقًا للشرع. ويزداد صلاحه ويتضاعف أجره إذا كان مناسبًا للزمان والمكان ونافعًا للناس فيكون أفضل الأعمال والنية أساس في العمل يقول صلى الله عليه وسلم "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى ..." ( 6)

 

وموافقة العمل للشرع هو الركن الثاني لقبول العمل، فنية بلا عمل هي أمنية لا تغني شيئًا، وعمل بلا نية فهو عناء لا يرجى من ورائه ثوابًا، فلا عمل لمن لا نية له ولا أجر لمن لا حسبة له" ولذلك جاء في تفسير قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) (الملك:آية:2) سئل الفضيل بن عياض عن العمل الحسن فقال: ما كان أخلصه وأصوبه، فما كان لله فهو خالص وما كان موافقًا للشرع فهو صائب.

 

وبالنية الخالصة تتفاوت الأعمال من حيث القبول ومضاعفة الثواب وقد قالوا "إنما تباينوا بالإرادات– أي بالنية- وليس بالأعمال" وبمقدار نفع العمل للناس بمقدار ما يتعاظم ويتضاعف الثواب ، يقول صلى الله عليه وسلم: " خير الناس أنفعهم للناس ....." ( 7)

 

والصحابة رضوان الله عليهم كانوا يفهمون الإسلام فهمًا صحيحًا ويطبقونه تطبيقًا عمليًّا فكانت أولويات العمل الصالح معروفة لديهم، فقد روي البيهقي وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان معتكفًا في مسجد رسول الله  "فأتاه رجل فسلم عليه ثم جلس فقال له ابن عباس يا فلان أراك مكتئبًا حزينًا؟ فقال نعم يا ابن عم رسول الله؛ لفلان عليّ حق ولاء، وحرمة هذا القبر ما أقدر عليه، فقال ابن عباس أفلا أكلمه فيك؟ قال إن أحببت قال: فانتعل بن عباس ثم خرج من المسجد، فقال له الرجل أنسيت ما كنت فيه– يقصد الاعتكاف- قال: لا ولكني سمعت صاحب هذا القبر والعهد به قريب– ودمعت عيناه- يقول: "من مشي في حاجة أخيه وبلغ فيها كان خير له من اعتكاف عشر سنين، ومن اعتكف يومًا ابتغاء وجه الله تعالى جعل الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق أبعد ما بين الخافقين".( 8)

 

فها هو حَبْر الأمة يعلمنا أولويات العمل الصالح، فأيهما أفضل عند الله اعتكاف في مسجد أم سعي في حاجة أخيك المسلم؟ الجواب في موقف ابن عباس معروف ولكن هل نحن نطبق هذا الفهم؟ إن كثيرًا من المسلمين يحتاجون إلى أن فهم ابن عباس الذي دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعلم ومعرفة التأويل.

 

إن كثيرًا من الناس إذا سمع كلمة "عمل صالح" انصرف ذهنه إلى النوافل من التسبيح والقيام والذكر والصيام وهذه أعمال صالحة نعم ولكن هناك أعمال قد يكون ثوابها أعظم، وحث عليها إسلامنا الكريم. انظر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن أحب الأعمال إلى الله تعالى بعد الفرائض إدخال السرور على المسلم، كسوت عورته، أو أشبعت جوعته، أو قضيت حاجته. " ( 9)

 

إن الله تعالى أنزل شرعًا ليوجد مجتمعًا متكافلاً يرحم بعضه بعضًا ويِأوي بعضهم إلى بعض يقول تعالى: ( فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ 11 وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ 12 فَكُّ رَقَبَةٍ 13 أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ 14 يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ 15 أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ 16 ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ) (البلد: الآيات من: 11-17) إن الله عز وجل يعلمنا كيف تكون أولويات العمل الصالح فعقبة جهنم الكؤود التي يخشاها كل مسلم تستطيع أن تجتازها بعمل صالح، فما هو؟ إن الله تعالى وضح أنه حين المسغبة– وهي أيام المجاعات وانتشار الفقر- مثل أيامنا هذه التي عز على الناس أن يجدوا فيها قوت يومهم وجاعت البطون وكثرت البلايا وتعددت أسباب المنايا– فأفضل الأعمال في مثل هذه الأيام هي إطعام الفقراء واليتامى والمساكين وأن يتواصى المسلمون بالصبر والمرحمة أي أن يوصي بعضهم بعضًا بالرحمة والإنفاق والإطعام وغيرها.

 

ولذلك إذا أردنا أن نقوم بعمل صالح في هذه الأيام فيجب ألا نُقْصِرها على الصيام والقيام، بل نحرص أن تمتد لتشتمل أعمالاً عديدة ليتحقق فيها نفع الناس فتكون أنفع لصاحبها يوم القيامة. وهذا العمل الصالح قد تقوم أنت به أو تدعو إليه أو تتواصى الجماعات والجمعيات به. فإن لم تستطع الإنفاق فكن داعيًا للإنفاق، وإن قصر جهدك الفردي عن عمل ما، فأشرك وغيرك فيه لتكونوا جميعًا من هؤلاء الذين وصفهم الله تعالى بقوله" (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ 17 أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ) "(البلد: الآيتان:17-18)
 فهيا نبادر بأعمال صالحات في العشر الأوليات من ذى الحجة.

---------

( 1) أخرجه البخاري (969) ، والترمذي (757) ، وأبو داود (2438).

( 2) أخرجه الترمذي (758) ، وابن ماجه(1728) ، والبيهقي في الشعب (3758)وإسناده ضعيف.

(3 ) أخرجه احمد (2/75)، والبيهقي في الشعب (3750) عن ابن عمر، وأخرجه الطبراني (11116) عن ابن عباس، وقال المنذري اسناده جيد.

( 4) أخرجه الترمذي (1493)، وابن ماجه (3126)، والحاكم (2/389) وقال: صحيح الاسناد.

( 5) المعجم الوسيط مادة (صلح).

( 6) أخرجه البخاري (1) ، ومسلم (1907).

( 7)أخرجه القضاعي في سند الشهاب (1234) عن ابن عباس، والطبراني في الأوسط (5787).

( 8)أخرجه البيهقي في الشعب (3965) والطبراني في الأوسط (7322).

( 9) رواه الطبراني في الكبير (3/83) ، والأوسط (8245).