تشن القوى الليبرالية والعلمانية حربًا ضروسًا ضد الجمعية التأسيسية المنوط بها إعداد دستور جديد لمصرنا بعد سقوط دستور 1971 بقيام ثورتنا المباركة، وقد نصت التعديلات الدستورية التي تمت في مارس 2011م بالمادة (60) على عقد اجتماع للأعضاء غير المعينين بمجلسي الشعب والشورى في اجتماع مشترك، لانتخاب جمعية تأسيسية من مائة عضو، تتولى إعداد مشروع دستور جديد للبلاد، وأن يُعرض المشروع علي الشعب للاستفتاء.
وبالرغم من إيمان البرلمان بأن صياغة الدستور تتطلب تمثيل كل فئات الشعب المصري وشرائحه الاجتماعية وقواه السياسية والنقابية والمهنية والدينية والثقافية ومكونات الدولة المصرية، فإن الحرب استعرت على كل الأصعدة، فعلى الصعيد الإعلامي لا تمر ساعة ولا برنامج يتحدث عن اللجنة التأسيسية إلا وهاجمتها وانتقدتها، وعلى الصعيد القضائي وصلت الدعاوى القضائية إلى أكثر من أربعين دعوى في يوم واحد أمام محكمة القضاء الإداري تطالب ببطلان الجمعية التأسيسية الثانية للدستور، بعد حل الجمعية الأولى.
ويجب الحذر من حكم المحكمة الدستورية إذا جاء قرارها بأن تشكيل اللجنة التأسيسية غير دستوري، لأنه حينها لن يتم إنشاء دستور أبدًا ما دام القضاء الإداري يعتبر هذا القرار إداريًّا يجوز الطعن عليه، وهو ما يعني أن مصر ستظل بدون دستور إلى أجل غير مسمى.
"ولو صدر الحكم بحل الجمعية فإنه، وحسب الإعلان الدستوري، يمكن لرئيس الجمهورية، لو أراد، أن يقوم بتشكيل جمعية جديدة، سواء بالأعضاء أنفسهم أو بغيرهم بتشكيل جديد، ولا مخالفة في ذلك للقانون، لأنه لا توجد شروط في هذا الشأن" وهذا طبقًا لما صرح به المستشار حسام الغرياني رئيس الجمعية التأسيسية للدستور.
إن الحرب على "التأسيسية" امتدت لتشمل الدعوة لتدويل الدستور بمقال لنائب عن الشعب وأستاذ للعلوم السياسية، نشر بعنوان "دستور مصر ليس قضية داخلية فقط" يطالب باستدعاء المنظمات والبرلمانات الدولية، والإعلام والمجتمع المدني الدولي، للضغط على شركاء الوطن في كتابة دستور مصر، فهذه سقطة وطنية غير مبررة، كما اشتملت الحرب أيضًا محاولات التشنيع على التأسيسية من داخلها؛ بالهجوم عليها من بعض أعضائها، ثم استقالتهم لاستكمال الهجوم عليها من خارجها.
إن الأزمة من خارج الجمعية تستهدف استمرار حالة التعطل الدستوري والتشريعي والرقابي والمؤسساتي التي تفاقم من معاناة المواطنين-وبالتالي تزيد من حالة السخط على الإسلاميين الذين يتصدرون المشهد- لأنه لا توجد مشكلات حقيقية جوهرية داخل الجمعية، خاصة عندما نتحدث عن مقترحات لم يتم إقرارها من الجمعية، وهي بطبيعتها قابلة للتعديل والتغيير، وبالتالي لا توجد أية مبررات للأزمة التي يتحدث فيها البعض عن انسحابات أو تجميد عضوية، ولا للهجمة الإعلامية المنظمة التي تبدو كأنها تمهد لتعطيل أو حل "التأسيسية".
ومن الأمور الموفقة جدًا حرص أعضاء "التأسيسية" على التوافق الوطني واشتراط لائحة الجمعية موافقة 67٪ على الأقل من أعضاء الجمعية لتمرير المادة في أول تصويت، و57٪ عند التصويت لثاني مرة على المادة إن تعذر الحصول على هذه النسبة، وقد ترجئ لجنة الصياغة التصويت على أي مادة مقدمة من اللجان النوعية المختصة لحين تحقيق توافق عليها، علمًا بأن الدستور الذي يقترب من 200 مادة ينحصر الاختلاف فيه على 10 إلى 15 مادة تقريبًا من مواد الدستور بما يمثل من 5 إلى 7٪ فقط.
وتأكيدًا للتوافق الوطني عقدت لجنتا نظام الحكم والحوار المجتمعي بالجمعية التأسيسية، جلستي استماع مع 68 حزبًا سياسيًّا للاستماع إلى رؤيتهم حول النظام الانتخابي والنصوص الانتقالية في الدستور، ومن بينها صلاحيات رئيس الجمهورية والانتخابات البرلمانية.
ونتساءل: ما البديل عن جمعية منتخبة من قبل البرلمان بموافقة 18 مليون مصري، ووفق إعلان دستوري، وحرص أعضائها على التوافق الوطني، وعلى تمثيل المجتمع بجميع طوائفه؟! فعلى سبيل المثال فقد شارك الشعب بجديةٍ في كتابة هذا الدستور بآلاف الاقتراحات، ومن خلال التواصل معه في 26 محافظة حتى الآن، طبقًا لما أعلنه الدكتور محمد البلتاجي رئيس لجنة الاقتراحات والحوار بـ "التأسيسية".
إن الهجوم على "التأسيسية" بهذا الكم والكيف لا لشيء إلا لتخوف القوى الليبرالية والعلمانية والمناوئة للإسلام من تحكيم الإسلام، إنهم يتخوفون من كل ما هو إسلامي، لذا فإن الهجوم لن يتوقف ما دام الإسلاميون يتصدرون المشهد، بالرغم من تشدق هؤلاء بالديمقراطية التي تقول في أبسط قواعدها إن الشعب اختار الإسلاميين لانتمائهم ولبرنامجهم الذي يقدم شرع الله، فيجب أن يتمسكوا به ليكونوا خير معبر عن الشعب.
إننا نطالب الجميع بأن يكونوا على مستوى المسئولية الوطنية وإعلاء مصلحة الوطن فوق المصالح الشخصية، خاصة بعد أن أصبح لدينا مشروع متكامل للدستور، فيجب علينا في هذه المرحلة العمل للخروج بدستور يحقق آمال الشعب.
يجب علينا جميعًا أن نلتف حول إنهاء الدستور عن طريق الاتفاق على المواد قبل صياغتها، وأن توضح المواد عبر وسائل الإعلام للشعب، وأن يتم الاستفتاء عليها من عينات عشوائية قبل عرضها على الاستفتاء الشعبي.
إن ثورتنا نجحت في الوصول إلي رئيس منتخب ودستور يلبي طموحات الشعب، فعلينا أن نسهم في بناء مصر الحديثة القوية بإيجابية البناء، لا بثقافة الهدم، بالإصلاح لا بالإفساد. نحن في سفينة واحدة إذا غرقت سنغرق جميعًا؛ لذا يجب أن نأخذ بيد الجاهل بتوضيح الأمر، وأن نضرب علي يد المفسد، وإن شاء الله ستكتمل ثورتنا وسنأخذ بيد أمتنا إلى النهوض لتكون في مقدمة الأمم.
---------------
* صحفي بجريدة "الشعب".