أدى "الرئيس" ما عليه ليثبت أنه مهموم باحتياجات المواطنين الملحة، من رغيف العيش, وأنبوبة البوتاجاز, وإزالة القمامة, وغيرها ...وحتى تأكيده على قبوله للمساءلة الشعبية والتي قدم عنها الأجوبة أمام محكمة الشعب في احتفالات "أكتوبر".
غير أننا نضئ هنا ضوءًا تحذيريًا؛ بألا تنساق "الرئاسة" إلى تفاصيل الحياة اليومية يجعلها تؤجل تدشين (مشروع قومي) يجمع الشعب على تحقيقه؛ وذلك لأن الاحتياجات المعيشية ستظل ملحة إلى الأبد, مهما تغيرت الحكومات والرئاسات.
ومن هنا فإن الفترة السابقة كافية ليطمئن الشعب إلى رئيسه, ولتطمئن "الرئاسة" إلى أنه قد حان وقت (المشروع الحلم), الذى يسير بجوار الخطط التنموية, وأن على "الرئاسة" أن تظهر معدنها الحقيقي باختيار هذا المشروع, والبدء فيه, وعليها حينئذ أن تقدم دراساتها وتصارح الشعب بالتحديات والعقبات الداخلية والإقليمية والدولية التي تواجه المشروع لتستثير كوامن التحدي واسترداد الانتماء إيجابي للوطن.
إن (التنمية الاقتصادية) وحدها لا تصلح أن تكون مشروعًا قوميًّا لبلد مهدد في حدوده, وفي عناصر الطاقة والمياه الضرورية لحياته, بل وفي استقلال قراره بسبب تركة الفساد والتبعية الموروثة, لذا ينبغي الإصرار على المشروعات الكبرى التي تحسم عناصر القوة الأساسية للوطن, وعدم الانسياق وراء مدرسة (من يملك قُوته يملك قراره), والانتقال إلى مدرسة (من يملك إرادته يملك قوته وقراره وكل شيء).
وأراني منحازًا لمن يرون أن "المشروع النووي" هو أمثل مشروع قومي مصري في الوقت الراهن؛ وذلك لأسباب رئيسية أهمها:
1- إنه المشروع الذي امتلكت "مصر" دراسات وافية عن كل جوانيه عبر عقود طويلة, ولدينا قامات علمية سامقة مستعدة فورًا لتحقيق الحلم على الأرض.
2- إن هذا المشروع سيساهم بقوة في إنجاح خطط التنمية, بالإضافة لاستعادة "الهيبة" التي تعيدنا إلى مربع الفعل والتأثير سواء في العلاقة مع الدولة العبرية أو في التأثير القضية الفلسطينية, أو في حماية منابع النيل وأمننا القومي المائي, أو في معادلة التأثير على توجيه النفط العربي.
3- إن تجارب "الدولة العبرية" و"كوريا الشمالية" و "إيران" في النضال لتنفيذ مشروعاتهم قد أظهر أمامنا كل التحديات وكيفية مواجهتها, وبالتالي فإن "دراسة الحالة" تؤكد أنه مشروع يمكن تنفيذه رغم ماقد تثيره سحابات التخويف الدولية من استحالته.
4- إن المشروع سيظهر حجم التحدي والتآمر على "مصر" , وسيظهر الحقائق أمام المصريين, مما سيساهم في تأكيد استعادة الوعي, ويجمع أبناء الوطن على قلب رجل واحد, ويواجه حالة التشرذم التي تريدها بنا القوى الفلولية, أو ممثلو الأجندات الأجنبية, فتستقيم الحياة السياسية والاجتماعية وينتظم عقدها.
إستراتيجيتان
ولكي تصل "مصر" إلى تحقيق الحلم النووي, فإن أمامها طريقين، عليها أن تختار أحدهما لتضع نفسها بين الكبار:
أولاً: الإستراتيجية التوفيقية
وهي التي انتهجتها "الدولة العبرية" مع "فرنسا" عقب قيام دولتها الغاصبة في "فلسطين"؛ حيث تولت "فرنسا" بناء القوة العبرية سواء التقليدية أو النووية، فكان بناء القوات الجوية العبرية فرنسيا بالكامل, ثم كان عهدًا كل من "جي موليه" و"ديجول" قد وضع اليهود في مصاف الدول النووية, وكان ذلك في مقايل مساعدة "فرنسا" لإخراجها من ورطة الصدام مع الثورة الجزائرية, ثم لمنحها استقلالاً عن "أمريكا" في المسألة النووية؛ وذلك بالحصول على "تكنولوجيا الحاسبات الإلكترونية" الأمريكية من الدولة العبرية, والتي تحصلها بدورها عن طريق برنامج تبادل المساعدات الفنية مع "الأمريكان".
حصل اليهود على أسرار استخراج "اليورانيوم" من خامات منخفضة التركيز, وتدرب مهندسوها في المراكز النووية الفرنسية, وأطلعهم الفرنسيون على نتائج تجاربهم النووية, فكان ذلك سببًا في إنتاج الجيل الأول من القنابل النووية العبرية, وتوجت الجهود التوافقية ببناء مفاعل "ديمونة" الذي يعمل بتكنولوجيا الماء الثقيل ويستخدم "اليورانيوم العادي بدلاً من "المخصب" ليحرر اليهود من التبعية "لأمريكا" !... ويمنحهم حرية الاعتماد على موارد "صحراء النقب".
وهكذا تنجح "الدولة العبرية" في الالتفاف على التحدي العلمي, وعلى الحليف الإستراتيجي! لتصبح سيدة قرارها, بإستراتيجية (توفيقية) مع الاحتياجات الفرنسية.
ثانيا: إستراتيجية اللعب على التناقضات الدولية
تلك التي انتهجتها "إيران"؛ حيث نرى سلوكا إستراتيجيًّا مثيرًا للإدهاش؛ وذلك حين أصر القرار الإيراني على بناء قوته النووية رغم التباين بين العهدين الديكتاتوري (الشاهنشاهي) والآخر (الثوري)؛ وذلك رغم التحولات الدرامية سواء في علاقات إيران الخارجية, أو في التحول السياسي العالمي بانهيار "الاتحاد السوفييتي".
وقد بدأت "إيران" في بناء قوتها النووية في عهد "الشاة محمد رضا بهلوي" بمباركة أمريكية لتكون "إيران" العصا الأمريكية الغليظة في المنطقة, واستغل "الشاة" هذه العلاقة بالإسراع فورًا في بدء المشروع!
فقامت "أمريكا" بإنشاء "مركز أميرآباد النووي بجامعة طهران" , ثم "مركز أصفهان للبحوث النووية" بالمساعدة الفرنسية والرضا الأمريكي.
وعندما سقط "الشاه" استكملت الثورة بناء الحلم؛ حيث تمت ترقية قدرات "مركز أصفهان" بمساعدة صينية حين انكمشت الدول الأوروبية الكبرى عن استكمال العمل مع الإيرانيين, بل لعبت "إيران" على التناقض الدولي في صيغته الحديثة التي تحاول فيه "روسيا" مجرد إثبات الذات, فوقّعت معها "إيران" عقد إنشاء "محطة بوشهر" لتوليد الكهرباء رغم الضغط الأمريكي على الروس, إلا أن قيمة العقد (940 مليون دولار) كانت تحتاجه "روسيا".
وعلى التوازي كانت "إيران" قد فتحت خطوطًا لشراء "سيكلوترون" من "بلجيكا" و"كاليترون" من "الصين" وهي أجهزة تؤدي مرحلة متقدمة وهي فصل "نظائر اليورانيوم".
ورغم أن "إيران" قد وقعت (معاهدة حظر الانتشار النووي), بل ووضعت "مفاعل بوشهر" تحت الرقابة الدولية, وتم التفتيش عام 96 ولم يجدوا شيئًا, إلا أن الإيرانيين يفاجئون العالم بالتعاون مع "الصين" عام 2003 لإنتاج الصواريخ بعيدة المدى رغم الرفض والضغط الأمريكيين.
ثم أصبح العقد الأخير هو عقد الإصرار والمناورة الإيرانية المحسوبة لإتمام قوتها النووية سواء السلمية منها, أو ما يظن أنها عسكرية؛ وذلك عبر إستراتيجية ناجحة باللعب على التناقضات الدولية.
هاتان تجربتان لدولتين في أتون الصراع والتحدي الدولي والإقليمي, لم نرصدهما لنثير الإعجاب بهما, ولكن لنؤكد أن المستحيل وهمٌ تصنعه الميديا... والعملاء.
وعلى "رئاستنا" أن تستفيد من مثل هذه التجارب الكبرى, وألا تظل رهينة لتفاصيل عملية (التنمية)- مع أهميتها القصوى- وألا تتباعد بالوقت عن طرح مشروعنا الوطني الجاذب للهمم, والمبشر بالمستقبل, والمطيح بالسفهاء الذين بزغت نجوميتهم بلا معنى في أوقات الاضطراب والانتقال التي يعيشها الوطن.
ولدينا اختيارات عديدة سواء بالميل نحو المعسكر "الشرق الأسيوي" الذي لم تكن له غايات استعمارية قبل ذلك في بلادنا, وأمامنا "الصين" الساعية لطرح نفسها كقطب عالمي مواز "للأمريكان" , ولدينا فرصة مازالت سانحة مع الدول المتفككة عن الكيان "السوفييتي" السابق؛ حيث نستطيع أن نؤدي للجميع مصالح كبرى لوضعيتنا بالمنطقة, لنجني ثمارًا تبادلية لإنجاح إستراتيجيتنا.
نحن نسعى لنكون دولة مؤثرة ومستقلة, ولهذا أوصافه, وللأوصاف تحديات, وفرصتنا مع "د. مرسي" كبيرة لعلمي الشخصي بإيمانه بهذا المشروع, ولأنه "عالم" ويدرك مدى تأثير التطور العلمي الكبير في حياة الأمم, ولأنه يمتلك الشعبية التي ستقنع الجماهير بوجوب الاصطفاف لبناء الإرادة المصرية, ولأن "مصر" في عهده ستكون مرهوبة الجانب إذا خطت خطوات كبيرة تجعل القوى الدولية تحسب حساباتها قبل أن تضغط لإفشال مشروعنا.
أرجو من مستشاري "الرئيس" ومن الحكومة أن يقوموا بدورهم حتى يقوم "الرئيس"بمهمته الأساسية في ضخ عناصر القوة في شرايين الوطن.
-----------------