جاء الحكم بتبرئة جميع المتهمين في موقعة الجمل صادمًا وصاعقًا لكل المخلصين من أبناء مصر الذين ضحوا بدمائهم وأرواح أبنائهم وإخوانهم في سبيل تحررها من ظلم وطغيان نظام مبارك، فإذا بهم يصطدمون بعقبات قانونية وإجرائية تهدد سير الثورة كلها.
وهذا ليس تعليقًا على أحكام القضاء التي هي عنوان الحقيقة، ولكنه رصد لواقع وأحداث تنبئ عن حجم الفساد والإفساد الذي وصلت إليه البلاد لحد التضحية بدماء أبنائها من أجل بقاء بعض المنتفعين في أماكنهم أو إفلاتهم من الحساب والعقاب.
فالمتهم الأول هو النيابة العامة وأجهزة المعلومات والتحريات وجهات التحقيق التي تقاعست عن أداء دورها وقصرت في القيام بأداء مهامها الوظيفية في جمع الأدلة الدامغة وتقديم المتهمين الحقيقيين للعدالة حتى ينالوا عقابهم، وحتى تبرد النار المتأججة في صدور جميع الشرفاء من أبناء مصر قبل صدور أولياء الدم.
فالشهداء والمصابون هم ملك لمصر كلها وليس لأهلهم فقط، ومن هنا فإن المطالبة بحقهم هي واجب علينا جميعًا ولا يظن أحد أننا سنسكت أو يغمض لنا جفن حتى يتم القصاص العادل من جميع المتهمين.
إن هذا الحكم وما سبقه من تبرئةٍ لرجال مبارك والعادلي يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن هذه القضايا كانت للحفاظ عليهم وليس لإدانتهم، ولامتصاص غضب الجماهير وليس لإقامة العدالة الناجزة.
وفي هذه القضية بالذات هناك أدلة ثابتة وموثقة ومصورة بالصوت والصورة، فكيف تقدم إذن أدلة واهية للمحكمة حتى يتم الإفراج عن جميع المتهمين؟! هل نحن أمام ثورة حقيقية أم أمام تمثيلية يحاول البعض من أذناب النظام السابق تمثيلها علينا لإفراغ الثورة من مضمونها؟
إذا كان جميع هؤلاء "براءة" فمن قتل الشهداء؟ ومن جرح المصابين؟ ومن جمع البلطجية؟ ومن دفع للقتلة؟ ومن نظم المجموعات؟ ومن أدار قتل الشهداء؟!
إن ضياع العدالة لا يمكن أن يقيم دعائم دولة ناهضة، والمأزق الحقيقي الذي تواجهه الثورة الآن هو المحاولات المستمرة لإضاعة حق الشهداء والمصابين لهز صورة النظام المنتخب الجديد بعدم قدرته على إقامة العدل، ولإرسال رسالة مفادها أن أقطاب النظام السابق قادمون وبقوة أحكام القضاء.
إننا إذا كنا نؤسس لبناء دول دستورية قانونية وطنية حديثة، فإن أهم دعائمها وأسسها العدل والقصاص لمن ضحوا من أجل بلدهم ووطنهم، فالفاعل معروف للجميع، ولا يمكن أبدًا أن نغل يد القضاء بالعبث بالأدلة أو إفسادها أو الارتكان إلى مبدأ شيوع التهم، فنحن في ثورة ولا يمكن أبدًا أن يترك الجناة ليتمتعوا بثغرات قانونية وبألاعيب شيطانية للإفلات من العقاب.
فلا يمكن أن نبدأ عهدًا جديدًا لإعادة بناء بلدنا إلا بعد الإجابة عن السؤال المحوري: من قتل شهداء الثورة؟ ومن المسئول عن قتلهم؟ وكيف سنقتص لهم؟ إن منظومة العدالة التي لا تصل بنا لحقوق الشهداء لا تستحق أن تنال شرف حماية الثورة أهلها والمشاركة في إعادة بناء مصر الجديدة، بل تكون مصداقيتها على المحك. إذ كيف ستؤتمن على الحقوق وإقامة العدل والفصل بين السلطات وهي عاجزة عن القصاص لشهدائنا الأبرار.
الحل الآن بيد السيد رئيس الجمهورية بأن يتخذ الإجراءات الكفيلة بالقصاص من قتلة الشهداء وبمحاكمة المجرمين السفاحين قتلة أبنائنا وبإسناد هذه المهمة الخاصة بجمع الأدلة والمعلومات الجديدة لهيئات قضائية يشهد لها بالنزاهة والكفاءة والحرفية.
وإذا اقتضى الأمر صدور قانون ينظم إعادة التحقيق وإعادة المحاكمة بما يحفظ حقوق الشعب في القصاص العادل والناجز.
إن أحد أهم المستهدفين من هذه البراءات المتعددة هو الرئيس المنتخب؛ لاستكمال سلسلة التشويه المتعمد التي يتعرض لها أول رئيس مدني منتخب، ومن المفارقات أنه حين تصدر الأحكام ضد الثوار ويستخدم رئيس الجمهورية سلطة التشريع للعفو عنهم نفاجأ بأحكام البراءة حيال من قتلوهم. أليس هذا مثيرًا للدهشة والاستغراب والتساؤل عما إذا كانت هناك علاقة بين كل هذه الخيوط المتشابكة؟!
إن هذه المهزلة هي حلقة في سلسلة استهداف الثورة وأهلها ومحاولة وأدها وهو ما لن يسمح به أي مصري مخلص، فلتكن الرسالة الواضحة والصوت الهادر من ضمير الأمة اليقظ، أننا نرفض هذه المحاولات وأننا جادون في القصاص من القتلة بنفس درجة حرصنا على بناء بلدنا التي لن تتقدم وتنهض إلا باستعادة حقوق الشهداء والمصابين والقصاص لهم. فعلى المسئولين عن التحقيق والإدعاء أن يقوموا بدورهم ويضطلعوا بمهامهم على أكمل وجه وتقديم الجناة الحقيقيين للقضاء بأدلة دامغة أو أن يستقيلوا أو يقالوا حتى ترسى قواعد العدل في مصر الجديدة، التي لن تقوم على أكتاف المتقاعسين أو المتخاذلين أو المتواطئين.
إن تقديم القضايا بهذا الشكل المعيب للقضاء بلا أدلة واضحة وبراهين دامغة على قتلة الشهداء وكأن من قدمها هو الدفاع وليس صاحب الدعوى العمومية الحريص عليها، تنبئ عن أن هناك مؤامرة حيكت بليل وبإحكام لعدم القصاص للشهداء، وتوهم من حاكوها بأنهم سيفلتون من العقاب ولكن هيهات هيهات لما يزعمون، فالشعب المصري وفي مقدمته رئيسه المنتخب يدركون الأبعاد الحقيقية لهذه المؤامرة وسبق أن تعهدوا جميعًا بأن دماء الشهداء أمانة في أعناقهم ولن يفرطوا في هذه الأمانة أبدًا بإذن الله وإن غدًا لناظره لقريب.
إن مصر كلها تعيش في حزن شديد ولا ملجأ لنا بعد الله إلا قرارات حاسمة من السيد رئيس الجمهورية- كما عودنا- ليعيد الأمور لنصابها والحق لأهله وليقتص من القتلة المجرمين الذين عاثوا في الأرض فسادًا ليأخذوا جزاءهم الرادع، ليتفرغ بعد ذلك ونحن جميعًا معه ووراءه لمعركة نهضة وبناء مصر. المجد والفخار للشهداء والذل والعار للقتلة المجرمين وأذنابهم. "وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ 42 مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء" (إبراهيم:42،43)