كلما اقتربنا من إنجاز خطوة معتبرة لبناء مصر الثورة نجد محاولات الإعاقة التي وصلت تدريجيًّا لما هو أقرب إلى الفجر والإفساد العلني, فمثلاً المادة 36 من الدستور تنص:

 

"تلتزم الدولة باتخاذ كافة التدابير التي ترسخ مساواة المرأة مع الرجل في مجالات الحياة السياسية، والثقافية، والاقتصادية، والاجتماعية، وسائر المجالات الأخرى دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية. وتوفر الدولة خدمات الأمومة، والطفولة بالمجان.

 

تكفل للمرأة الرعاية الصحية، والاجتماعية، والاقتصادية، وحق الإرث، والتوفيق بين واجباتها نحو الأسرة وعملها في المجتمع. وتولي الدولة حماية وعناية خاصة للمرأة المُعيلة، والمطلقة، والأرملة، وغيرهن من النساء الأكثر احتياجًا".

 

- يعترض العلمانيون على فقرة "دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية" بالرغم من أن النص موجود منذ دستور 1971, حيث يزعمون أن: "هذه المادة تتعارض مع التزامات مصر بالمواثيق الدولية، التي تمثل الحاكم الأعلى للدستور (وليست الشريعة) ونحن لا نعترض على أحكام الشريعة الإسلامية، إنما على أنه لا يوجد تفسير واحد يجمع عليه العلماء!! وبالطبع هذا دجل واضح لأن تفسيرات العلماء لا يوجد بينها اختلاف تضاد بل اختلاف تنوع، وسعة.

 

فلم يختلف العلماء حول تفسير ( لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) (النساء: من الآية 11)، ولا (وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) (النساء: من الآية 4)، ولا ( وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) (البقرة: من الآية 233)، ولا (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ) (النساء: من الآية 3)، ولا (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ) (الطلاق: من الآية 1).

 

- فأنصبة الميراث، ووجوب المهر والنفقة، وحق الطلاق للرجل، وعدة المطلقة، وحرمة التبني.. جميعها لا خلاف عليها ولكنها تتعارض مع المواثيق الدولية التي تحدد صراحة أن "المساواة بين الجنسين، دون تميز".. مما يعني حق المرأة هو نفس ﺤﻖ الرجل ﻓﻲ عقد اﻟﺰواج وﻋﻨﺪ ﻓﺴﺨﻪ وكذلك ﻧﻔﺲ اﻟﺤﻘﻮق واﻟﻤﺴﺆوﻟﻴﺎت بالولاية واﻟﻘﻮاﻣﺔ والوصاية على الأطفال وتبنيهم وخلافه!!!!!.
مما يعني:- حق المسلمة في الزواج من مسيحي، بمثل حق المسلم في الزواج من مسيحية زواجًا مدنيًّا مما يعني- لا صداق، ولا طلاق إلا بحكم قضائي، فالزوج لا يملك حق الطلاق، - لا ولي- لا ولاية، ولا قوامة- لا تعدد زوجات- لا عدة- لا نفقة- اقتسام الممتلكات بالتساوي عند الطلاق.

 

- تساوى أنصبة الأبناء من الميراث للذكر مثل حق الأنثى.

 

- إجازة التبني (من دون تقيد بالديانة) وما يستتبعه من أحكام زواج، وميراث، تُحل حلالاً وتُحرم حرامًا!!!!!!

 

- نفس التعارض موجود بين هذه المواثيق وأحكام الأحوال الشخصية المسيحية المقترحة الآن دستوريًّا (ولم تكن بدستور 71) بهدف مواجهة هذه المواثيق, لماذا لم ير العلمانيون في ذلك انتهاكًا للمواثيق الدولية؟ ولماذا لم يجعل العلمانيون من اختلاف تفسيرات رجال الدين المسيحي مدعاة لإيقاف العمل بأحكام المسيحية؟ هل هذه هي المواطنة؟ أم أن المواطنة لصالح غير المسلمين فقط؟؟ وقد وقعت مصر على هذه المواثيق مع التحفظ على المواد التي تتعارض مع الشريعة, والمذهل أن العلمانيين الآن (بعد الثورة) يطالبون بضرورة الانصياع الكامل للمواثيق الدولية حتى لو تعارضت مع شريعتنا!! لا تعليق.

 

 - والعجيب أن هذه المواثيق وقعتها دول العالم ورفضها الكونجرس لأنه يعارض فرض أي تشريعات بالأحوال الشخصية واعتبر ذلك تدخلاً بالشئون الداخلية!! هنا وجب التعليق.. هؤلاء المفسدون ليسوا مقتنعين فقط بأفكار الغرب بل بضرورة تدمير هويتنا لحساب أعدائنا, إسرائيل.

 

- والخطورة أن بعضًا من الدول العربية قد سحب تحفظاته بسبب تزايد دور العلمانيين، فهناك تطبيق الزواج المدني في "لبنان"، وارتفاع المطالبات به في "سوريا"، وكذلك "تونس" التي لها السبق، حيث منعت التعدد.

 

- أنا لا أتحدث عن نقاب، ولا جلباب، بل أعراض، وأنساب، وحقوق، ومواريث مهددة بالدستور.

 

- هل يعقل أن يطالبوا (دون سبب لأنه أمر مقرر بشريعتنا) بحق للمسيحيين (الأقلية) بتطبيق أحكامهم في الأحوال الشخصية، بينما يصادروا حق المسلمين (الأغلبية) بتطبيق شريعتهم حتى في الأحوال الشخصية, هؤلاء ضد الأغلبية والديمقراطية والوطنية بل ضد المنطق والفطرة, لماذا؟!!!!!..

 

لأن الدستور قبل الثورة كان إسلاميًّا وكذلك الشعب لكن التطبيق كان علمانيًّا ديكتاتوريًّا, أما بعد الثورة الدستور إسلاميًّا وكذلك الشعب لكن التطبيق سيكون أيضًا كذلك, والسبب كما أقول دائمًا أن القوة القادرة على الحسم هي "الشعب" ولذلك العالم كله يترقب لأنه سيتأثر بمصر لأنها "أم الدنيا", وما زال البعض يتساءلون هل هذه ثورة حقيقية؟!!.

-------------------

رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار
hassanelhaiwan@hotmail.com