مات الرئيس الجزائري الأسبق "الشاذلي بن جديد" (السبت 6/10/2012م)، مخلفًا وراءه سجلًا مليئًا بالإنجازات التاريخية التي غيَّرت وجه الجزائر، ومات الرجل ومعه سر استقالته المفاجئة ثم اختفائه لمدة عشرين عامًا بعد فوز "جبهة الإنقاذ الإسلامية" في الانتخابات التشريعية، وإدخال الجيش البلادَ في حرب أهلية لم تُبقِ ولم تذر.

 

خلال ثلاثة عشر عامًا من حكم الجزائر (1979- 1992م) غيَّر "الشاذلي بن جديد" (83 سنة) وجه الجزائر من حكم اشتراكي أسسه سلفه الرئيس "هواري بومدين" إلى أشبه بالحكم الليبرالي الرأسمالي، وكان أول حاكم عربي يعطي التيار الإسلامي حقه في العمل السياسي وتأسيس أحزاب سياسية، وكان ذا عقلية متصالحة مع الإسلام والفكر الإسلامي الصحيح؛ ولذلك فقد وصفه الداعية الإسلامي الأشهر الشيخ محمد الغزالي بـ"فارس الإسلام"، وكان ذلك الوصف من الشيخ الغزالي خلاصة ست سنوات مع العمل في الجزائر في جامعة الأمير عبد القادر التي رعى تأسيسها "الشاذلي بن جديد".

 

وقد تولى الحكم في ظروف بالغة الصعوبة؛ حيث كان التنافس قائمًا على أشدّه بين محمد الصالح يحياوي، أحد قادة حزب "جبهة التحرير الوطني"، وعبدالعزيز بوتفليقة، رئيس الدبلوماسية الجزائرية في عهد "هواري بومدين"، وكلا المتنافسين لم يكن يمتلك أسهمًا داخل المؤسسة العسكرية، وفوجئ الشعب بأن الرئيس المنتظر هو عقيد في الجيش غير معروف من قبل هو "الشاذلي بن جديد".

 

وقد أنهى "الشاذلي" 26 عامًا من هيمنة حزب "جبهة التحرير الوطني" كحزب وحيد على كل مؤسسات الدولة.

 

وقد أحدث انفراجة كبيرة في الحريات؛ إذ بادر بعد انتخابه في المرة الأولى إلى إطلاق سراح الرئيس الجزائري "أحمد بن بلة"؛ الذي أطاح به "هواري بومدين" عام 1965م وسمح بعودة معارضين تاريخيين؛ مثل حسين آيت أحمد، مؤسس أول حزب معارض في 1963م (جبهة القوى الاشتراكية).

 

ومن هنا، فإنه يمكن القول: إن مشروع تغيير الجزائر اقتضى من "الشاذلي بن جديد" القيام بخطوات جسورة كانت أشبه بالمغامرة، فقد أعطى ظهره لموسكو موئل الاشتراكية، وولى وجهه نحو الغرب، وقام بزيارة لفرنسا العدو التاريخي كاسرًا أحد المحرمات الجزائرية حيال عدو احتلها ونهبها وأذل شعبها، وقتل منهم مليونًا ونصف المليون شهيد، وخالف بذلك بروتوكولًا جزائريًّا غير مدوّن سَنَّه أسلافه، ويقضي باستحالة قيام رئيس الجزائر بزيارة إلى فرنسا.

 

لكن التوجه نحو الغرب الرأسمالية صنع طبقة جديدة من المافيا والفاسدين، وأوجدت هذه الحقبة ما يقرب من 6000 ملياردير أغلبهم من أركان النظام والمؤسسة العسكرية الذين امتصوا دماء الشعب الجزائري وزادوا من فقره، فكانت انتفاضة 5 أكتوبر 1988م التي تفجرت من جرَّاء تفاقم المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، وكانت بمثابة إشارة البدء في انفراجة أوسع للحريات بإقرار التعددية الحزبية التي أقرها دستور فبراير 1989م، ومنذ ذلك التاريخ وظهر على الساحة عشرات الأحزاب، ومن بينها- للمرة الأولى في المنطقة العربية- أحزاب إسلامية.

 

وكان أحد الصحفيين الغربيين قد كتب تقريرًا عام 1981م جاء فيه: قريبًا ستصبح المساجد هي الصناعة الأولى في البلاد، وهي تنبت في كل مكان.

 

وفي عام 1982م ألقى "جورج بوش"، عندما كان مديرًا للمخابرات المركزية الأمريكية محاضرة في كلية الشرطة في منطقة الأبيار الجزائرية، جاء فيها: إنّ الخطر الذي يهدّد الجزائر يكمن في التيار الأصولي وليبيا.

 

وبمقتضى ذلك، أجريت انتخابات بلدية فازت فيها "جبهة الإنقاذ" فوزًا كاسحًا، ثم جرت المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية؛ فحققت الجبهة نفس الانتصار تقريبًا بالحصول على 188 مقعدًا، وقد كان ذلك- يومها- زلزالاً في الغرب وفي المنطقة العربية، خاصة دول الشمال الإفريقي، التي تحالفت جميعها في تشجيع الجيش الجزائري على السيطرة على الوضع في البلاد بعد الإجهاز على التجربة الديمقراطية، وهذا ما حدث بالفعل.

 

فقد حركت المؤسسة العسكرية آلتها السياسية قبل العسكرية للتمهيد لإحكام سيطرتها على البلاد، فتحركت الجبهة العلمانية الواسعة المخاصمة للإسلام من اليسار والفرانكفون مطالبة بإلغاء الانتخابات، وتدخل الجيش، ولكن قبل أن يتدخل الجيش فوجئ الشعب بقرار استقالة الرئيس نهائيًا، وبعد خمس دقائق أعلن المجلس الدستوري برئاسة "بن حبيلس" استقالة "الشاذلي بن جديد"، وبثّ التلفزيون الجزائري نص الاستقالة، وبعدها بساعتين وجّه رئيس الحكومة "سيد أحمد غزالي" خطابًا متلفزًا للشعب الجزائري يعلن ما معناه أن الجزائر دخلت مرحلة جديدة، وأن الانتخابات ونتائجها لم يعد لها وجود، لتدخل البلاد بعد ذلك في أتون حرب أهلية أجج من أوارها اغتيال الرئيس "محمد بوضياف" بعد 166 يومًا من حكمه.

 

وكان الخاسر الوحيد من تلك الحرب هو الشعب الجزائري بأكثر من 200 ألف قتيل، ومثلهم مفقود، وضياع الاقتصاد الجزائري، وإنهاك الشعب الجزائري، وإغراقه في مشكلات لا حصر لها في مقابل انتفاخ كروش المافيا من العسكر ورجالهم، ولم تتعافَ الجزائر ولا الحركة الإسلامية من تلك النكبة حتى اليوم.

-------

 * كاتب مصري- مدير تحرير مجلة "المجتمع" الكويتية- Shaban1212@gmail.com