* مقدمة

* ما الإنصاف الذي نقصده؟

* الإنصاف في المعاملة هدي قرآني وخلق نبوي

* مجالات الإنصاف (في الأسرة- مع المجتمع- مع المخالفين في الرأي- مع العصاة والمذنبين- مع غير المسلمين- مع الرعية- مع ولاة أمور المسلمين) ونماذج من السيرة العطرة

* كيف نتخلق بالإنصاف في حياتنا؟

* رسالة إلى وسائل الإعلام (أنصفوا يرحمكم الله).

 

*******

الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير؛ وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله؛ الرحمة المهداة والنعمة المسداة، أكرمنا به ربنا من بين الأمم فجعلنا من خير أمة أخرجت للناس اللهم أحينا على سنته وأمتنا على ملته واحشرنا في زمرته ولا تحرمنا من شفاعته واسقنا بيده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدًا..

 

فما أحوجنا إلى الاقتداء بأخلاقه صلى الله عليه وسلم لنسعد في الدنيا وننجو في الآخرة (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)) (الأحزاب)؛ والتمسك بأخلاق النبي الكريم وسنته المطهرة سبيل العصمة من الانحراف عن جابر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده كتاب الله وسنتي".

 

وخلق الإنصاف من الأخلاق الهامة التي نحتاج إليها في حياتنا الآن خاصة بعد هذا التغيير في ثقافات الناس وأخلاقهم وتهور البعض في ردود أفعال- تجاه أشخاص وهيئات- مبالغ فيها إلى حد كبير.

 

* ما الإنصاف الذي نقصده؟

الإنصاف مصدر أنصف ينصف، وهو في اللغة: شطر الشيء.

أما في الاصطلاح فالإنصاف: أن تعطي غيرك من الحق من نفسك مثل الذي تحب أن تأخذه منه لو كنت مكانه، ويكون ذلك بالأقوال والأفعال، في الرضا والغضب، مع من تحب ومع من تكره وهو معنى قول سيدنا على رضي الله عنه: من أراد أن ينصف الناس من نفسه فليحب لهم ما يحب لنفسه.

 

فالإنصاف هو ميزان التعامل المجتمعي بين الناس بالقسط والعدل ومعاملة المسيء بقدر إساءته دون تعدٍ أو تجنٍ. فلا ينسى مواقف الإحسان بسبب موقف إساءة ولا ينسى حسن العشرة بسبب كلمة ربما نقلت إليه عن طريق الوشاية والكذب وربما خرجت منه عن غير قصد أو في لحظة غضب. أن نطبق الأمر القرآني (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات: من الآية 9)، قال الطبري إن الله يحب المنصفين الذين ينصفون الناس ويعطونهم الحق والعدل من أنفسهم فيبرون من برهم ويحسنون إلى من أحسن إليهم). ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن يوم القيامة، وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا".

 

الإنصاف يجعل المسلم ينظر إلى الأمور بحجمها الطبيعي دون زيادة أو نقصان أو فرط تفاؤل أو تشاؤم لا ينظر إلى نصف الكوب الفارغ فقط وإنما ينظر إلى الكوب كله النصف الفارغ والنصف المملوء. لا ينظر إلى الدنيا بمنظار أسود قاتم وإنما ينظر إلى الأحداث بموضوعية وإنصاف.

 

* الانصاف في المعاملة هدي قرآني وخلق نبوي

خلق الإنصاف يحافظ على الود والحب والتماسك بين أفراد المجتمع فمتى غاب الإنصاف كثرت الشحناء لأتفه الأسباب وبعدت شقة الخلاف بين الناس ونسوا المعروف مخالفين لهدي القرآن الكريم (وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) (البقرة: من الآية 237)، وقوله (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصلت: من الآية 34)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا" رواه الترمذي‌ وصححه الألباني. وقال عمر رضي الله عنه: (لا يكن حبك كلفًا ولا يكن بغضك تلفًا).

 

ومن يخالف الإنصاف ويشتط في خصومته فوق الحد فقد حاز ربع النفاق فهذا من صفات المنافقين كما في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقًا خالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلة مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَلَّة مِنْ نِفاقٍ حتَّى يَدَعَها: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ" فتتقطع أوصال المجتمع قال الشاعر:

 

فلم تزل قلة الإنصاف قاطعة * بين الأنام ولو كانوا ذوي رحم

 

ومن يتخلف عن الإنصاف فحاله إلى حال النساء أقرب فعن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: "أريت النار، فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط". متفق عليه. لذلك فالإنصاف من شيم الرجال.

 

والإنصاف من لوازم المروءة أخرج أبو نعيم في حلية الأولياء عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من ثقيف: "ما المروءة فيكم. قال: الإنصاف والإصلاح، قال: وكذلك فينا". حديث غريب.

 

* مجالات الإنصاف (في الأسرة- مع المجتمع- مع المخالفين في الرأي- مع العصاة والمذنبين- مع غير المسلمين- مع الرعية- مع ولاة أمور المسلمين) ونماذج من السيرة العطرة

 

الإنصاف في الأسرة

ما أجمل أن يبدأ الإنصاف من بيوتنا فلا يبخس الزوج حق زوجته ولا الزوجة حق زوجها في مواقف الحياة المختلفة بسبب موقف أو خلاف طارئ وما أكثر ذلك في الحياة الزوجية وها هو الرسول الكريم يعلمنا قاعدة ذهبية في الإنصاف مع الزوجة وكيف نتعامل معها فقال "لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها آخر" يا لروعة هذا الإنصاف منك يا رسول الله مع النساء في الحياة الزوجية بل وبعد نهاية الحياة الزوجية نري قمة الإنصاف من رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوجه خديجة رضي الله عنها وأرضاها.قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها، فذكر خديجة يومًا من الأيام فأدركتني الغيرة، فقلت هل كانت إلا عجوزًا فأبدلك الله خيرًا منها، فغضب ثم قال: "لا والله ما أبدلني الله خيرًا منها، آمنت بي حين كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني منها الله الولد دون غيرها من النساء" فقالت عائشة "اعف عني، ولا تسمعني أذكر "خديجة" بعد هذا اليوم بشيء تكرهه".

 

ونحتاج إلى الإنصاف في معاملتنا لأبنائنا فنحن مسئولون عنهم بين يدي الله فلا ننسى مهمتنا في تربيتهم؛ سأل معاوية بن أبي سفيان الأحنف بن قيس عن الولد، فقال: يا أمير المؤمنين أولادنا ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن لهم أرض ذليلة، وسماء ظليلة، وبهم نصول عند كل جليلة، فإن طلبوا فأعطهم، وإن غضبوا فأرضهم، يمنحوك ودهم، ويحبّوك جهدهم، ولا تكن عليهم قفلاً فيتمنّوا موتك ويكرهوا قربك ويملوا حياتك. فقال له معاوية: لله أنت! لقد دخلت عليّ وإني لمملوء غيظًا على يزيد ولقد أصلحت من قلبي له ما كان فسد.

 

الإنصاف مع المجتمع

وتتسع دائرة الإنصاف حتي تسع المسلمين جميعًا فيكون ذلك سببًا في الصفح عن الزلات.

إن الوفاء على الكريم فريضـة ** واللؤم مقرون بذي الإخـلاف

وترى الكريم لمن يعاشر منصـفًا ** وترى الـلئيم مجانب الإنصاف

 

 نتعلم ذلك من رسول الله وموقف سيدنا حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه عندما أراد إفشاء سر غزوة فتح مكة ويقف سيدنا عمر بن الخطاب شاهرًا سيفه يا رسول الله دعني أقطع عنقه فقد نافق فيرد الرسول الكريم ليذكر بفضل الرجل وسبقه وجهاده "لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم".

 

الإنصاف مع المخالفين في الرأي

ومن مجالات الإنصاف التي نحتاجها في زماننا هذا الإنصاف مع المخالفين لنا في الرأي فلا يكون الخلاف في الرأي سببًا في فساد العلاقة وتقطيع أواصر المجتمع لأن الاختلاف سنة كونية وطبيعة بشرية قال تعالى (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)) (هود)، فالخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية وصحابة الرسول صلي الله عليه وسلم وعلماؤنا الأكارم كان لكل منهم رأي في قضية أو مسألة ويحترم بعضهم بعضًا ولا يبخسه حقه قال ابن تيمية رحمه الله عن الصحابة (اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية، مع بقاء الألفة بينهم)، وقال رحمه الله (أقل ما في الموالاة الباطلة أن يُفضِّل الرجل من يوافقه على هواه وإن كان غيره أتقى لله منه).

 

ومن أهم علامات الإنصاف مع المخالفين في الرأي:

التجرد وتحري القصد عند الكلام على المخالفين وإرادة الحق. وأن لا ينشر سيئات المخالف ويدفن حسناته. وأن يكون النقد للرأي وليس لصاحب الرأي. والامتناع عن المجادلة المفضية للنزاع. وحمل كلام المخالف على ظاهره، وعدم التعرض للنوايا والبواطن (نضرة النعيم ج3 ص 591).

 

الإنصاف مع العصاة والمذنبين

وكذا الإنصاف مع العصاة والمذنبين فيتم عتابهم وعقابهم على مقدار ذنبهم ومخالفتهم وهذا منهج نبوي وقد جاء في حديث زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب: أن رجلاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارًا وكان يُضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب فأتي به يومًا فأمر به فجلد فقال رجل من القوم اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله" أخرجه البخاري.

 

هذا الصحابي الشارب للخمر لما لعنه الصحابي الآخر لم يرض رسول الله بهذا بل دافع عنه فورًا واعتذر لهذا الشارب بأنه يحب الله ورسوله وأين؟؟ اعتذر له أثناء قيام الحد عليه والشاهد منه أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يرض من الصحابي شربه للخمر وكانت العقوبة على قدر الذنب فلما زاد آخر باللعن أوقفه المصطفى عند حده لأن العقوبة تكون على قدر الذنب.

 

الإنصاف مع غير المسلمين

والمنصف لا يفرق بين مسلم وغير مسلم في المعاملة فالقرآن دستور المسلمين يقرر هذا المبدأ قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)) (المائدة)، وقال في الآية قبلها: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (المائدة: من الآية 2)، رسول الله صلى الله عليه وسلم عاهد اليهود بعد الهجرة فنقض يهود بنو قينقاع العهد فلم يعاقب غيرهم من اليهود بل ظل على عهده مع باقي قبائل اليهود ولم يأخذهم بخيانة بني قينقاع. ولما نقض يهود بني النضير العهد وحاولوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم لم يقاتل يهود بني قريظة وإنما أحسن إليهم وقاتل بني النضير فقط حتى خان يهود بني قريظة العهد هذا تفسير عملي لقول الله عز وجل (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام: من الآية 164)، وهذا هو الإنصاف الذي نريده فلا تؤخذ جماعة بجريرة ذنب اقترفه أحد أعضائها دون إذن منها أو توجيه. ولا يؤاخذ حزب بسبب مجموعة انشقت عليه وأرادت أن تشوه صورته أمام الرأي العام.

 

الناس ليسوا على درجة واحدة حتى غير المسلمين درجات منهم المسالم والمحارب ومنهم الأمين ومنهم الخائن هكذا أرشدنا القرآن فقال عن أهل الكتاب (مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) (آل عمران: من الآية 110)، وقوله أيضاً (لَيْسُواْ سَوَاء) (آل عمران: من الآية 113).

 

وتأمل قوله تعالى (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)) (آل عمران).

 

يقول ابن عاشور في تفسيره: (وإنما قدّم عليه قوله: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ) إنصافًا لحقّ هذا الفريق، لأنّ الإنصاف مما اشتهر به الإسلام).

 

وقد يكون الإنصاف مع غير المسلمين بسبب جميل أسداه رجل منهم مكافأة له على موقف نبيل منه. كما قال النبي الكريم بعد غزوة بدر الكبرى عن الأسري "لو كان المطعم بن عدي حيًّا وهبت له هؤلاء النتني" سبحان الله لم ينس رسول الله موقف المطعم معه بعد رحلة الطائف عندما أدخله مكة في جواره رغم مشاركته في غزوة بدر ومقتله فيها إلا أن الإنصاف عند رسول الله لا يبخس الرجال حقهم ولو كانوا من غير المسلمين.

 

وفي ذات السياق ينتصف النبي لأهل مكة قبل البعثة عندما يذكر حلف الفضول فيقول "لقد شهدت حلفًا في دار عبد الله بن جدعان لو دعيت بمثله في الإسلام لأجبت".

 

* الإنصاف بين الرعية وولاة أمور المسلمين

وواجب ولاة الأمور أن ينصفوا الرعية فيتعاملوا معهم بالسوية ولا يأخذوا البريء بما لم يرتكبه (قَالَ مَعَاذَ اللّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّآ إِذًا لَّظَالِمُونَ (79)) (يوسف)، قالها يوسف عندما عرضوا عليه أن يأخذ أحدهم بدلا من أخيه.

 

ولا يبخس الحاكم أحد الرعية حقه بسبب أمور شخصية مهما كانت جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان هذا الرجل قد قتل أخا عمر في معركة اليمامة عندما ارتد مع من ارتد، (فقد قتل زيدًا بن الخطاب في حروب الردة). وأسلم الرجل بعد ذلك، وجاء إلى عمر بن الخطاب يومًا، فقال له عمر: أأنت الذي قتلت زيدًا؟ قال: نعم، قال عمر: اغرب عن وجهي، فإني لا أحبك حتى تحب الأرض الدم!، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، أوَ يمنعني هذا حقي؟ قال: لا. فقال: أيحل هذا جَلد ظهري؟ قال: لا.. فقال الرجل: ما لي ولحبك إنما يبكي على الحب النساء.

 

وموقفه رضي الله عنه وإنصافه للقبطي الذي ضربه محمد بن عمرو بن العاص رضي الله عنه ابن والي مصر آنذاك، حينما أجرى عمرو بن العاص رضي الله عنه الخيل في مصر، فسبقت فرس القبطي فرس محمد بن عمرو بن العاص، فضرب ابن عمرو القبطي قائلاً: خذها وأنا ابن الأكرمين، فما كان من القبطي إلا أن وفد إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه شاكيًا باكيًا، فأعطاه الدرة قائلاً: اضرب ابن الأكرمين، ثم قال له ولأبيه رضي الله عنهما: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا.

 

وواجب الرعية أيضًا أن تنصف مع الراعي أو ولي الأمر فلا تتصيد الأخطاء أو سقطات اللسان أو تسليط الأضواء على السلبيات وغض الطرف عن الايجابيات. فهذا الصديق أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه يطالب الأمة بهذا الإنصاف (أيها الناس أطيعوني ما أطعت الله فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم)، وعلى دربه يسير الفاروق رضي الله عنه (إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني).

 

* كيف نتخلق بالإنصاف في حياتنا؟

لقد أيقنا الآن أننا في حاجة ماسة إلى خلق الإنصاف ولن يوجد بيننا إنصاف إلا إذا تصالحنا مع أنفسنا أولاً فلا نتوقع إنصافًا من رجل في قلبه مرض (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: من الآية 11)، ثم يقف كل واحد مع نفسه قبل أن يقدم على الفعل يفكر فيه وفي عاقبته وفي الناس من حوله قبل أن تسيء إلى أحد أو تقصر في حقه فكر في حقه عليك واستعن بالله واطلب منه العون وجاهد نفسك في فعل الصواب هذا ما فعله سيدنا أبو خيثمة لما تأخر عن غزوة تبوك ودخل بيته فإذا بزوجتيه قد أعدت كل واحدة منهما فراشًا وطعامًا وماءً باردًا فوقف وقفة مع نفسه (أنا هنا مع زوجتَيَّ ورسول الله وأصحابه في ضح الشمس والله ما هذا بالنصف) ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزوة فلقيه النبي الكريم قائلاً له "أولي لك يا أبا خيثمة".

 

ومما يعين على الإنصاف أن تضع نفسك موضع الآخر كيف تحب أن يصنع الناس معك ولعل أروع تعبير عن ذلك ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (متفق عليه)، وهو معنى قول سيدنا على رضي الله عنه: (من أراد أن ينصف الناس من نفسه فليحب لهم ما يحب لنفسه)، وقول سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: من أحب أن ينصف الناس من نفسه فليأت إلى الناس ما يحب أن يُؤتى إليه).

 

وواجب المجتمع أن يعمل على جذب النماذج الصالحة وإبرازها ولن تعدم من يمثل الخير والصلاح في كل تجمع من التجمعات فقد ظهر في جيش الكفار في بدر من يمثل هذا الاتجاه فقد روى أحمد أن عتبة بن ربيعة أخذ يثني قومه عن القتال محذرًا من مغبته، لأنه علم أن المسلمين سوف يستميتون، فاتهمه أبو جهل بالخوف. وروى البزار، أن عتبة قال لقومه: إن الأقارب سوف تقتل بعضهم بعضًا، مما يورث في القلوب مرارة لن تزول وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد رأى عتبة على جمل أحمر، فقال: (إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا).

 

* رسالة إلى وسائل الإعلام (أنصفوا يرحمكم الله)

وفي الختام لا بد أن نوجه رسالة قوية إلى وسائل الإعلام نقول لهم (أنصفوا يرحمكم الله) أين حيادية الإعلام المزعومة وأين المهنية الغائبة وأين شعاركم التائه المفقود (الرأي والرأي الآخر)؛ أما إنكم لا تحسنون سوى أسلوب الإثارة والتضليل والتشويه المتعمد للحقائق وتضخيم الأخطاء وفبركة عناوين ومانشيتات الصحف التي تعتبر كذبًا صريحًا سيؤدي ذلك كله بكم إلى المساءلة بين يدي الجبار يوم القيامة يسألكم عن أمانة الكلمة (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)) (ق)؛ يسألكم عن الأعراض التي نهشتم فيها على شاشات قنواتكم وصحفكم وعن الكذب الذي كسبتم أموالاً طائلة (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82)) (الواقعة).

-------

* عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين