إن السياسة التعليمية التي نحن بصددها هي بكل المقاييس ثورة على كل ما سبقها من نظم وسياسات تعليم، وهذه السياسة تتعدد أهدافها الفرعية التي تثمر مجتمعة هدفـًا نهائيًّا يتمثل في مجتمع من الفسيفساء البشرية التي يعرف كل منها مكانه ومكانته ودوره في مشهد الحضارة، وأوجز هذه الأهداف الفرعية فيما يلي:

 

1. الإسهام في ترسيخ قيم الهوية المصرية بكل مفرداتها كدولة إسلامية عربية إفريقية.

 

2. الإسهام في تجسيد العدالة الاجتماعية بإقرار مبدأ المجانية النسبية.

 

3. إتاحة التكافؤ التام في الفرص كحق لكل المصريين.

 

4. الاستفادة القصوى من قدرات وملكات أبناء مصر والاحترام التام لتباين وتنوع هذه القدرات والملكات من فرد لآخر.

 

5. الارتقاء بكل عناصر التعليم وفي طليعتها الارتقاء المادي والأدبي والعلمي بالمعلمين.

 

6. إحياء وتعظيم الشق التربوي في العملية التعليمية.

 

7. القضاء بلا رجعة على ما يعرف بالدروس الخصوصية.

 

وجدير بالذكر أن البعض قد يتوقف أمام أحد أو بعض البنود رائيًا أنه بحاجة إلى تفاصيل أكثر، وهو دون شك سيكون محقًا في توقفه رؤيته، ولكنني رغم هذا لا أعد بالاستفاضة في التفاصيل والشروحات ليس استئثارًا بها وإنما حفاظًا على وقع التواصل وتجنبًا لملل أخشى أن يصيب المتلقي حال الإطالة التي لا بديل عنها إذا ما استغرقتنا التفاصيل، ولكنني أعد بأن أضع السياسة بين يدي القارئ في صورة مبسطة عبر خمسة مقالات يختص أولاهن بمجموعة من الضوابط العامة، وتختص ثانيتهن وثالثتهن بالمراحل الدراسية، وتختص رابعتهن بالبحث العلمي وتختص آخرهن بمزايا تلك السياسة.

 

مجموعة من الضوابط العامة 

 

 (1) النص دستوريًّا على ما يفيد بأن التعليم (في مرحلتيه الأولى والثانية) حق للدولة وواجب على المواطنين، وتشريع قانون يعاقب بموجبه كل من يثبت تقصيره المتعمد في أداء هذا الواجب الوطني ما لم يكن هناك عوائق تحول دون أدائه (وأفضل أن يتضمن هذا القانون تحديدًا واضحًا للعوائق المقبولة).

 

(2) النص دستوريًّا على ما يفيد بأن الدولة المصرية هي المسئول الأوحد عن إدارة منظومة التعليم بكل عناصرها تخطيطًا وتنفيذًا ورقابة بما يعني سيادة مصر التامة والكاملة على شئون التعليم داخل حدودها.

 

(3) دمج وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي في وزارة واحدة تحمل اسم (وزارة التربية والتعليم).

 

(4) إنشاء وزارة مستقلة للبحث العلمي.

 

(5) نقل تبعية مؤسسات التعليم الأزهرية إلى وزارة التربية والتعليم، وقصر الدور التعليمي لمشيخة الأزهر على:

 

- إقامة وإدارة المعاهد الإسلامية المتخصصة في علوم الدين.

 

- وضع مناهج التربية الإسلامية التي تدرس في مؤسسات التعليم التابعة لوزارة التربية والتعليم.

 

(6) ألا يتم شغل الوظائف الإدارية العليا في كل المؤسسات التعليمية والتربوية الرسمية- بما فيها مشيخة الأزهر- بالتعيين أو الانتخاب، وإنما وفق مجموعة من الضوابط ألا وهي:

 

- أن يشغل المنصب الأعلى ثم التالي فالتالي الأكثر حصولاً على الدرجات العلمية الصحيحة والمعترف بها.

 

- أن تتوافر في شاغلي هذه المناصب السيرة الحسنة في حياتهم العامة والعلمية والعملية.

 

- في حال تساوي أكثر من شخص في عدد ومستوى الدرجات العلمية تكون الأولوية للأسبق حصولاً على الدرجات العلمية وفي حال التساوي تكون الأولوية لأكبرهم سنـًا وبما لا يتجاوز سن التقاعد المقرر قانونـًا.

 

- ألا تتجاوز فترة شغل المنصب أربعة أعوام غير قابلة للتجديد، لضمان تعاقب الأجيـال بما تحمله من تطورات في مختلف المناحي العلمية والعملية والنظرية.

 

- يتم إنشاء لجنة دائمة تابعة لوزير التربية والتعليم مباشرة، وبحيث تتشكل من خمسين عضوًا من أقدم رؤسـاء الجامعات السابقين وبما لا يتجاوز سن أي منهم 70 عامًا، تكون مهمة هذه اللجنة تلقي التظلمات المتعلقة باختيار قيادات المؤسسـات التعليمية والتربوية والفصل فيها، وكذا تلقي التظلمات الخاصة بالدرجات العـلمية (سـواء فيما يتعلق بمنحها دون حق  أو حجبها دون مبرر) والفصل فيها.

 

- تشريع قانون يمنح اللجنة المشار إليها سلطة الفصل فيما يعرض عليها من تظلمات ويقرر توقيع عقوبات مغلظة على من يثبت تورطه في منح درجة دون حق أو حجبها دون مبرر وعلى كل من يثبت تظلمه دون حق.

 

(7) إقرار تحسين جذري على رواتب كل العاملين بحقل التعليم في مختلف التخصصات والمراحل بما يحقق لهم الحد المقبول من كرامة العيش وبما يبرر البند التالي.

 

(8) تشريع قانون بتجريم الدروس الخصوصية وبحيث يتضمن ما يلي:

 

- تقرير عقوبة مادية رادعة على المعلم لدى ضبطه للمرة الأولى تتصاعد في الثانية وفي الثالثة يحبس ويفصل من عمله.

 

- تقرير عقوبة مادية تأديبية على صاحب المكان الذي تم فيه الضبط.

 

- تقرير عقوبة مادية مؤثرة على أعضاء السلطة التنفيذية المنوط بهم الضبط حال تواطئهم في التستر على الجريمة.

 

- تقرير مكافأة تشجيعية لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى الضبط أو إلى إثبات التواطؤ.

 

(9) إلغاء التعليم المشترك اعتبارًا من بدء المرحلة الثانية، وإلى كل دعاة الحرية والمدنية والتحضر- والحرية والمدنية والتحضر منهم براء- أن ينظروا بصدق إلى المستوى المتدني الذي وصلت إليه العلاقات بين الغالبية العظمى من أبنائنا وبناتنا في مختلف مراحل التعليم والتي رصدت بنفسي إحدى مظاهرها الكارثية منذ 20 عامًا في أحد المعاهد بمنطقة وسط البلد حين رأيت بعيني الطلبة لا يكتفون فقط بالعبث في أجساد زميلاتهم بل ويؤجروهن لعابري السبيل من طلاب المتعة، إذا كنتم تعلمون فهذه مصيبة وإذا كنتم لا تعلمون فقد أعلمتكم، والمأساة أكبر من أن أتناولها في بند عابر، فهي جديرة بمقال مستقل سأترككم بعده في مواجهة ضمائركم لكي يحكم كل منكم بنفسه على نفسه وهل ما زال جدير بآدميته أم صار أدنى وأدنأ من بني الحيوان.

 

(10) إنشاء إدارة قانونية في كل مؤسسة تعليمية بهدف إقرار قواعد النظام والنظافة والانضباط السلوكي.

 

(11) توحيد مناهج التعليم في كل الأقسام المماثلة بمختلف مراحل التعليم وبحيث يشترك في وضعها لجان متخصصة تخضع في تشكيلها وأدائها لضوابط محددة تحقيقـًا لمبادئ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.

 

(12) توحيد امتحانات نهاية العام مضمونـًا وتوقيتـًا في كل الأقسام المماثلة بمختلف مراحل التعليم وبحيث يشترك في وضعها لجان متخصصة تخضع في تشكيلها وأدائها لضوابط محددة تحقيقـًا أيضـًا لمبادئ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.

 

(13) توحيد معايير القبول بكل الكليات والمعاهد المماثلة فلا فضل لأسواني على قاهري إلا بالعلم، ولا فضل لخاص على عام إلا بالتفوق، فالجميع أبناء مصر، والتمييز بين الأبناء بصورة أو بأخرى يدخل في دائرة التمييز العنصري.

 

(14) وأخيرًا وليس آخرًا إلغاء إصدار وبيع ما يعرف بالكتب الخارجية وما على شاكلتها من ملازم وخلافه، وحتمية تدخل الدولة في ضبط أسعار الكتب الجامعية تيسيرًا على الأسرة المصرية خاصة بعد رفع الرواتب المشار إليه في البند السابع.

 

أعلم أنني قد أطلت رغم اجتهادي في الإيجاز، ولكنني أعلم أنكم ستتحملون من أجل مصر التي نحلم بها منارة لحضارة يتأسى بها العالم، وتربة لأجيال من السادة لا من العبيد والتابعين والمستنسخين، أجيال تضيء العالم بنورها ولا تحرقه بنارها، أجيال ترحم العالم برحمة شريعتها التي هي شرف لا يأباه إلا عديم الشرف، أجيال تترحم علينا في قبورنا بدعوة مستجابة، إن هذه الأجيال هم أبناؤنا وأحفادنا.. أفلا يستحقون منى بعض الإطالة ومنكم بعض الصبر؟ وإلى لقاء عبر مقال قادم يحمل إليكم تفاصيل الجانب الأبرز من الثورة التعليمية.

 

---------

* maged.daif@hotmail.com