هناك أمور كثيرة أمر الإسلام بفعلها لحكمة تخفي علينا إلي حين وربما إلى يوم القيامة، ويظل أهل الاجتهاد يتلمسونها هنا وهناك، ومن هذه الأمور مناسك الحج في جميع مراحلها.

 

ارتداء الإزار والرداء في الحج

أمرنا الله على لسان رسوله محمد- صلى الله عليه وسلم- بارتداء الإزار والرداء في الحج وفي العمرة لحكمة يعلمها، فوجب علينا الامتثال؛ رجاءَ الثواب، سواء علمنا الحكمة أم لم نعلمها.

 

وبالرغم أن عدم لبس المخيط للحاج أوالمعتمر من الأمور التوقيفية ، لكن لا يعني هذا أنه يخلو من حكمة عظيمة القدر، بل لا يوجد فعل من أفعال النبي- صلى الله عليه وسلم- دون حكمة، سواء علمنا هذه الحكمة أم لا .

 

وإليك بعض أسرار عدم لبس المخيط للحاج أو المعتمر:

إن الشارع الحكيم أمرنا بعدم لبس المخيط وعدم تغطية الرأس عند الإحرام؛ ليكون الإنسان في أعلى درجات الخضوع والتذلل لله- تعالى- كأنه يقول في هذه الحالة: يا رب إني لا أملك لنفسي من الأمر شيئًا، وإنَّ كل ما في هذا الوجود لا أملك فيه فتيلاً، وإنك أنت المالك لكل كائن ويكون، وها أنا واقف بين يديك كيوم ولدتني أمي، ليس عليَّ من عرض الدنيا إلا ما أستر به العورة.

 

وفي عدم لبس المخيط إشارة إلى أنه أشبه بالطفل المولود الملفوف في شيء غير مخيط، أي أنه لا يملك لنفسه شيئًا من حطام الدنيا؛ إذ الملك لله وحده، ولا يخفى أن هذه الحالة هي أكبر درجات الخضوع وأسمى منازل الخشوع، والغاية القصوى في التذلل للخالق جل شأنه.

 

وهناك حكمة أخرى، وهي أن الحاج أو المعتمر بهذه الحالة يتذكر أهل المحشر وهم واقفون بغير لباس على بدنهم، والذكرى تنفع المؤمنين.

 

كما إن الحاج وافد على الله تعالى، فكان عليه أن يختار أجمل حلة يلقى بها مولاه، وليس في الدنيا جميل يحبه الله ويرضاه سوى طاعته وتقواه (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى)، كما يجب عليه أن ينتقي أحسن صورة يفد فيها على الله، وليس ثمة ما هو خير من صورة تنبئ بالافتقار والذل والانكسار، فليفد إذًا الوافدون على الله، وهم أشبه بالحفاة العراة، وليكن الشعث شعارهم، وتناسي الذات دثارهم، وتطهير الروح بالتلبية والتضرع بالدعاء مرامهم، فإنهم بذلك واصلون، وعلى رضى مولاهم حائزون وتلك بغيتهم وبغيتنا في الحياة.

 

والسنة في حق من يريد الإحرام بالحج أو العمرة لبس رداءين أبيضين، والحكمة من استحباب كون الثوب أبيض هنا لأن الثياب البيض من أفضل الثياب؛ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "البسوا البياض فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن ابن عباس وابن عمر. رواه أصحاب السنن الأربعة وغيرهم، وهذا اللفظ للترمذي، وصححه الشيخ الألباني.

 

وقال الإمام الشافعي في كتاب الأم متحدثًا عن ثياب الإحرام: وأحب للرجل أن يلبس ثوبين أبيضين جديدين أو غسيلين، وللمرأة أن تلبس ثيابا كذلك.

-------------

* موجه اللغة العربية بإدارة إدفو التعليمية بأسوان.