هذه المرة ترتفع أعلام النصر بعد غرق الفرعون الأخير، في دموع جمال مبارك الساخنة الحزينة على ملك فاته؛ لأنه ليس ملكه، إننا نكتب بأسنة الدولة العجوزة المتهالكة التي سقطت على يد شباب مصر، نكتب بحماس أهل غزة المحاصرين، وبعدد القنابل العنقودية التي دكت بغداد عند دخولها، نكتب بصمود أهل سوريا الأبية في وجه ملفات دولية سرية، نكتب من ملفات السودان المقسم ظلما، نكتب بلهفة أبطال أكتوبر على أرضهم التي عانقوها إبان عبورهم العظيم، ثم حُرِّمت عليهم رمالها ثانية، فلم يزوروا قبور رفقائهم من الشهداء، نكتب بقلم "شامبيليون" لنفك طلاسم كامب ديفيد، وانتصارًا على مصالح هوازن الأمريكية وتعصب اليهود الصهاينة العالقين على حدود يثرب والشام، يتربصون بأمة محمد الدوائر. نكتب بأقلام شباب مصر الذي عاهد الله ونفسه أن يحمي بلاده حتى من أهلها.
إنَّ أكتوبر هذه المرة لن يقف على حدود أغاني أحد المغنيين، ولا على إخراج مشاهد من بعض الممثلين، ولا على إجازة رسمية لشعب لا يدري ما العدو؟؛ ومتى برك برحاله في أرض بلا إذن، إن أكتوبر هذه المرة مناورة تعقبها على الأفق البعيد معركة فاصلة.
عبث أن يظن أحد منا أن الصهيونية سترحل من أراضينا بسلام، وعبث آخر أن نبحث معها عن سلام، وإن كان هذا عبث فإنه من العار أن نتهاون في شبر من أرض العرب، وإن كان ذاك عبثًا وهذا عار، فإن تجاهلنا لقول موشي ديان: إنه من الأفضل لإسرائيل أن تفشل مبادرة السلام على أن تفقد إسرائيل مقومات أمنها، يعد حمقًا وجهلاً بالسياسة والدين والاجتماع وكل علوم أهل الأرض.
نحن لا نتحدث عن سيناء التي أخذناها وما أخذناها، ولا التي حررناها وحُرمناها فحسب، إننا نتحدث عن أرض عربية من الفرات إلى النيل يتوهم اليهود ويحلمون أنهم آتون من أزقة أوربا وأوكار أمريكا؛ ليأخذوها من العرب، وكأنهم كسبوها على طاولة قُمار أو ضربة بقدح كاهن يوم جلس "هرتزل" يخطط لدولة الصهاينة.
إن سيناء هي الطريق إلى النصر الأعظم، وكما أنَّ اليهود يظنون أنها الطريق إلى النيل؛ هكذا فلنؤمن بأنها الطريق إلى الأقصى، ومن وعي الطريق وصل.
لقد استطاع النظام السابق الموالي لإسرائيل وأمريكا أن يصنع من سيناء حاجزًا؛ ليحيل بين مصر وبين الأقصى، وينفرد بالمقاومة في فلسطين فيبيدها؛ لأن الغرب أعلم منا بالحروب الصليبية، وهو يعلم علم اليقين أن جنود مصر إذا تحركت لا تتوقف حتى تصل إلى ما تريد، خرج بتلك الجنود صلاح الدين فأدبهم، وخرج بهم قطز فأوقف سيل التتار، وخرجوا في العاشر من رمضان صائمين؛ وقد أقسموا ألا يفطروا إلا في سيناء؛ فكان ما أرادوا، ولكن... تحررت سيناء ولكن؛ هل أُسرت ثانية في موقعة كامب ديفيد؟؟؟ وما الذي دعا الراحل السادات إلى "كامب ديفيد" وقد مكث في التفاوض أكثر من اثني عشر يومًا؟؟؟ وهل في التفاوض "القدس" و"الجولان" أم "سيناء" فحسب؟؟؟ أقصد هل استطاع "كارتر" أن يقنع السادات بعد أن قرر الانسحاب من الاتفاقية بالانسلاخ من القضية العربية لتصبح قضية مصرية؛ فوافق؟؟؟ أم أن موافقته كان وراءها معنى بعيد آخر؟؟؟ ولماذا وافقت إسرائيل على الانسحاب رغم أن ذلك ليس في بروتوكول صهيون؟ فهل تطيع إسرائيل السادات وتعصى صهيون؟ أم أن هناك ثمت ثمنًا لذلك؟؟؟ ما يجعلنا نتوجس خيفة من تلك الاتفاقية ونضع احتمالات لحسن منظرها وسوء مخبرها.
لعل كل تلك التساؤلات تدور في ذهن من يقف يومًا على خريطة مصر ويعلم أن "إيلات" مصرية كانت تُدعى مدينة الحجاج؛ حيث يستريحون فيها قبل استئناف سيرهم إلى الحجاز، وتدور في ذهن من يتساءل عن مساحات شاسعة من الرمال وما تخفيه تحتها من كنوز طبيعية نفتقر إليها، ولكن تنام تحت الأرض كما تنام كنوز الفراعنة، غير أن كنوز الفراعنة تحرسها الجن، وكنوز سيناء تحرسها كامب ديفيد.
لذلك سيق الفكر إلى أكتوبر وانتصاره؛ أحقًا كان انتصارًا ؟ أم فرقعة إعلامية كبيرة تلهينا عن حادث قومي أكبر؟!! إن الطالب الذي يفرح بنجاحه ويظل يحتفل به سنوات وينسى أن يستخرج شهادة نجاحه ليعمل بها طالب أحمق، فهل نظل نحتفل بسيناء وهي بعيدة عن أيدينا؟!! لعل الموارد التي نهبتها إسرائيل من سيناء في زمن احتلالها لها منذ عام 1967م- 1973م ربما يفوق ما استخرجناه منها إلى الآن، لأنهم يجيدون استغلال ما يظفرون به، ونحن نجيد الاحتفال بما من به الله علينا.
لذا وجب علينا أن ننظر إلى أكتوبر وسيناء بعين جديدة، غير العين التي لا تعلم إلا ما أنتجه الغرب من عتاد، ولا ترى تحت الشمس إلا بقدر ما تسمح برؤيته دول الاستعمار.
إنَّ سيناء تنوء بثرواتها التي في بطنها؛ كالأم التي إن تأخر ولدها في بطنها قد يودي بسلامتها، ونحن الآن بحاجة إلى ذلك الوليد وبحاجة إلى أم الوليد كذلك، ولكن أين الطبيب الماهر الذي يبدأ في الكشف عن رحم الحقيقة المتوارية؟!!!. إن الحقائق كلها في سيناء، إن مستقبل مصر كامن في صحراواتها، وإن شباب مصر الذي عبر ليُذهب عنها الاحتلال، قد أنجب رجالاً قادرين على العبور ثانية؛ لتولد على أيديهم من جديد، وقولوا لصهيون احلم كما شئت؛ من البحر سترحل كما جئت.
--------
* بمدارس الدعوة الإسلامية بسوهاج.