يكافح أصدقاؤنا العلمانيون في تثبيت (مُسلّمات) في المجتمع الثقافي والسياسي المصري, وكلها كما سترى ليست مُسلّمات ولا حقائق, ولا حتى افتراضات متينة, ولكنها سياج ووقاية لحمايتهم مما يشينهم, ويشوه صورتهم القابلة بامتياز للتشويه.
وهذه المُسلّمات كثيرة في سوق الكلام، لكنهم يحوطون بعضها برعاية خاصة، ومنها:
أولاً: حظر التخوين والاتهام بأجندات أجنبية
إذ تراهم يتبادلون بلسان واحد وبنسق اتفاقي كامل، أن عهد التخوين والاتهام في الوطنية قد ولّى، وأن الجميع وطنيون، وأن الاختلاف مهما اشتدت ضراوته هو اختلاف لصالح الوطن وأن الإسلاميين لا يحتكرون الوطنية وحدهم.
وهذا جميل، رغم أنه في أوقات المعارك السياسية والانتخابية على الأخص، يتحول الإسلاميون إلى متمولين خارجيًّا وأصحاب أجندات سعودية أو إيرانية أو توجهات طالبانية، وكلها اتهامات جزافية .
لكن هذا الساتر الدخاني بمحاولة فرض أجواء احترام الآخر مهما كان شططه، ليس في حقيقته دعمًا لإرساء قيم سامية في محيط الاختلاف السياسي، وإنما يأتي درءًا لتهمة يتلبس بها الكثير من أصدقائنا، وهم يتلمسون كل الطرائق لدفعها عنهم، وهي الدفاع عن مصالح وأجندات أجنبية.
فإذا كانت "منال الطيبي" هي صاحبة ملف تدويل "قضية النوبة" كقضية أقليات مقهورة، وتعمل لمنحها الحق في الانفصال، وإذا كان نضالها من خلال جمعية ممولة غربيًّا للدفاع عن توجهات فكرية وسياسية أجنبية خاصة في مسألة حقوق المرأة، إذا كان ذلك كذلك فعلى "منال" ألا تتنصل من الحقيقة، وعليها أن تتحلى ببعض شجاعة العلمانيات المنكرات لأركان إسلامية، وتعلن لنا أسباب تبنيها لهذه الأجندة الغربية المتناقضة مع سلامنا الاجتماعي.
وإذا كان د. حمزاوي يستغيث بالدول والمنظمات الدولية لتدويل كتابة دستور بلاده، وإذا كان يرى- كما في فيلم الجزيرة الوثائقي- أن المادة الثانية هي مادة تمييزية (أي عنصرية ظالمة)، وإذا كان يرى أن من حق المسلمة أن تتزوج بغير المسلم، إذا كانت هذه لمحة من فكره وموضوع نضاله السياسي، فهذه أجندة غربية متطرفة مائة بالمائة، لذا وجب عليه أن يبرر لنا سبب انحيازه وترويجه لركائز الهوية الغربية على حساب هويتنا، ولا يبرئ نفسه من تهمة ضبط بها متلبسًا.
وقطعًا لن يدافع بمنطق علمي، وإلا سيضطر للاعتراف برفضه لمجمل الهوية الوطنية، ومن هنا يأتي الحل السحري بالدعوة لعدم تخوين الرأي، أو إلقاء التهم جزافًا، وهذه مبادئ يأخذها العميان وينامون عليها وبها لعبقها الجميل، ولكنها بكل أسف لا تُقصد لذاتها، وإنما يُلوى عنقها لتقوم بدورها في غسيل مالحق بالثوب العلماني من أوحال.
وتستطيع أن تمد خطًّا مستقيمًا لينتظم في سلكه أفواجٌ من العلمانيين؛ بدايةً من دعاة فصل الدين عن الدولة، وانتهاءً بدعاة التفريط في الدولة بالتطبيع مع الصهاينة، والتفريط في الدين بالإلحاد.
وإدراكًا لمنطق اللحظة الراهنة، فإن ثمة فارقًا بين أن يختلف فرقاء السياسة تحت مظلة الهوية الوطنية، وبين أن يختلفوا على الهوية التى ينحاز كل فريق إليها.
ففي الاختلاف الأول صحة ومنعة، وطبيعة حياة، وفي الاختلاف الثاني وهنٌ وتشرذم وتسليم للأعداء.
ومن هنا فعلى المجتمع الثقافي أن يُنقّي نفسه، وأن يفرز المفاهيم، وألا يتردد في التفريق بين من يضمدون الجراح، وبين من يعمقونها، وألا يستجيب للإرهاب الإعلامي الممنهج الذي يمنع كلمة العلم أن تقال في وجه وكلاء الأجندة الغربية.
ثانيًا: تعميق الخوف من الإسلام وإسباغ المنطقية على هذا الخوف
يكافح أصدقاؤنا في زرع (أكذوبة) أخرى يريدون لها أن تتحول إلى (مُسلّمة)، وهي أن الناس في بلادنا تخشى حكم الإسلاميين فعلاً، وأن هذا الخوف له أسباب أصيلة، سواء في تاريخ الإسلام، أو في الإسلاميين، والمراد من ذلك أن تكون هذه الأكذوبة اطّرادًا طبيعيًّا لأكذوبة (الإسلاموفوبيا) التي تروجها الأنظمة الغربية.
فيوهمونك أن تخوفاتهم منطقية، وأنها ليست امتدادًا لظاهرة العداوة الغربية لمنهجنا، وإنما بسبب الممارسات الإسلامية، وبسبب إقحام الدين في السياسة الذي أشعل حروبًا دمويةً بين الناس على مر الزمان، فهم أذكى من أن يعلنوا رفضهم للإسلام، ولكنهم يرفضون تفاصيله، واحدة وراء الأخرى، ويرفضون استدعاءه للمشهد السياسي، ويسمح لهم ضميرهم العلمي أن يستخدموا نفس منهج الأعداء في تشويه الإسلام والإسلاميين، ونشر أكاذيب من عينة (مضاجعة الوداع)، أو (تزويج القاصرات)، أو (فرض النقاب)، أو (فرض الجزية)، ناهيك عن غلق دور السينما والمسارح ومحاربة الفنون والإبداع، والحكم بالمنهج "الطالباني"!.
ولا بأس من تسقُّط كلمة من هنا على تصريح من هناك، وسقطة من ثالث أو خطأ من رابع لتشكيل صورة شائهة عن المستقبل المحفوف بالمخاطر في ظل حكم الإسلاميين!.
وإذا كانت الرئاسة قد احترمت وجودهم، ولم تُقصهم، فإن وجودهم بمؤسسات رسمية قد أسال لعابهم لفرض شروطهم على مفردات المرحلة، وشروطهم غربية، فإذا رأوا الاتجاه الغالب هو الانتصار للإسلام في أي قضية تنادوا وصرخوا: طمئنونا يا جماعة، إننا والشعب خائفون، ومن حقنا أن تذهبوا بالخوف بعيدا عنا، وعليكم أن تثبتوا أنكم لا تنتوون (أخونة) الدولة !
ونحن لا ننسى أنهم تخوفوا من (الوهابية)، ومن (الأسلمة)، وتخوفوا من تقاليد العصور الوسطى، ومن الرجوع لعصر الجمل، وهكذا، وكل هذا للتغطية على جريمة الانتصار للتغريب، والآن يريدون الزج بالمواطن المسلم ليداخله التخوف من الحكم الإسلامي، بعد أن كسبوا المواطن القبطي زورًا وبهتانًا.
الدجل العلماني قد يشطح به الخيال ليدعي أن الإسلاميين لم يكونوا اختيارًا حرًّا للشعب، وأن الشعب لو عاد له وعيه فسيكون اختياره اجماعيًّا لمن يمثلونه بحق من أمثال "حمزاوي" و"منال" و..."إيناس الدغيدي".
هذا الدجل لم يغُص في العمق المصري ولو بمقدار سنتيمتر واحد؛ لذا على الإسلاميين أن يستفيقوا من حالة الاسترضاء ليدخلوا لمرحلة مواجهة الحقائق وصولاً إلى الحزم القانونى في التعامل مع مصالح المواطنين.
وعلينا أن ندرك أن "تركيا" ظلت حوالي ربع قرن تتدهور بسبب الحكومات الائتلافية التي كانت تراعي مصالح الفرقاء المشاركين في الحكومة، وتسترضيهم خوفًا من انهيار الائتلاف فتسقط الحكومة ويخسر الحزب الذي يقود الحكومة، فاضطروا لتوزيع الغنائم على هذه الأحزاب الصغيرة ففقد الجميع صدقيتهم، وفقدت "تركيا" مكانتها، وكانت النهضة حين انتخب الشعب حزبًا واحدًا لا يسترضي إلا الشعب، ولا ينفذ إلا البرنامج الذي وعد به الشعب.
يؤسفني بعد البحث الطويل أن نقرر: إن العلمانية شر كلها، وأن أهلها مراوغون، وأن مبادئهم أبعد ما تكون عن حلو المكتوب في نظرياتهم.. إلا القليل.
وعلى الإسلاميين أن يدركوا ملامح اللحظة الراهنة، وأن يسعوا لتمتين بنيان الدولة، وأن يضعوا أيديهم في أيدي المخلصين من كل الاتجاهات الوطنية، وليعلموا أن الدولة الحازمة أرجى في نشر العدالة من الدولة المسترضية.
----------