تحل اليوم الذكرى التاسعة والثلاثون لحرب أكتوبر المجيدة، وقد جرت العادة في هذه المناسبة على تكريم بعض رموز النصر، ومن المؤكد أن نجم الاحتفالات هذا العام سيكون الفريق البطل سعد الدين الشاذلي؛ الذي تعرض للاضطهاد على مدى العقود الأربعة الماضية رغم دوره المركزي في تحقيق النصر.

 

رحل الشاذلي عن عالمنا قبل 24 ساعة فقط من تحقيق النصر الثاني بعد نصر أكتوبر، وذلك بخلع مبارك يوم 11 فبراير 2011، وكانت جنازته العسكرية والشعبية في اليوم ذاته الذي تنحَّى فيه مبارك، كنا جميعًا- وخاصة العارفين بفضل ذلك القائد- مشغولين بمعركتنا الكبرى مع نظام مبارك، حين استمعنا إلى الخبر الحزين بفقدان رمز العسكرية المصرية المعاصرة، وقد أدينا صلاة الغائب على روحه بميدان التحرير وقتها، لكنَّ تكريمًا لائقًا بالرجل لم يتم حتى الآن، وها هي الفرصة تأتي لتكريمه بشكل لائق في احتفال 6 أكتوبر، وهي فرصة لتعيد الدولة وقيادتها السياسية والعسكرية الاعتبار للرجل الذي تعرض لظلم تاريخي من ذوي القربي من رفاق السلاح والمعركة..

وظلم ذوي القربي أشد مضاضة     على المرء من وقع الحسام المهند

 

أذكر- وقد عملت محررًا عسكريًّا لجريدة "الشعب" حتى إغلاقها- أن قادة كبارًا وصغارًا كانوا ينبّهون على المحررين العسكريين بعدم ذكر الشاذلي، وعدم توجيه أسئلة بشأن غيابه عن التكريم في الاحتفال باليوبيل الفضي لحرب أكتوبر وما قبله وما بعده، رغم تكريم كل القيادات التي شاركت في الحرب.

 

وأود التنبيه إلى تزوير التاريخ أيضًا برسم جدارية لغرفة عمليات القوات المسلحة تظهر الشاذلي في وضع متأخر جدًّا بين القادة، رغم أنه كان رئيس الأركان وقت المعركة؛ أي أنه الرجل الثاني وليس الخامس أو السادس، وهذه الجدارية ينبغي تعديلها على وجه السرعة تصحيحًا للتاريخ واعادة الحق لصاحبه.

 

كان الشاذلي عقدة الرئيس الراحل السادات رغم أنهما معًا صنعا النصر، وظلت العقدة ممتدة إلى مبارك الذي رفض أي تكريم أو ظهور في الإعلام الرسمي للشاذلي حتى وفاته، وحريٌّ بنا جميعًا أن نرد دينًا مستحقًّا لهذا القائد العظيم، ولعل أبسط تكريم له بعد منحه قلادة النيل إطلاق اسمه على أحد الميادين أو الشوارع الرئيسية، واعادة كتابة تاريخ حرب أكتوبر لإبراز دوره في التخطيط والتنفيذ للعبور العظيم.

 

كان الراحل العظيم أحد قادة وصنَّاع العسكرية المصرية خلال نصف قرن، شارك خلاله في كل الحروب المصرية، بدءًا من حرب فلسطين سنة 1948، ثم انضمامه للضباط الأحرار عام 1951، ومشاركته في صد العدوان الثلاثي عام 1956،وحرب اليمن، ثم حرب 1967، وأخيرًا حرب 1973، وبعدها محاضرًا ومؤرخًا عسكريًّا.

 

ورغم الهزيمة القاسية التي منيت بها مصر في عام 1967 فإن الشاذلي تمكن من الدخول بقواته إلى العمق الفلسطيني لمسافة 5 كيلو مترات قبل أن تصله أوامر قيادته بالانسحاب، وكم كان مؤثرًا حين روى وقائع ذلك الانسحاب في برنامج "شاهد على العصر" بقناة "الجزيرة" عام 1999؛ إذ أشار إلى أن عملية الانسحاب تمت بدون غطاء جوي مصري، وبالحدود الدنيا من المؤن، وتحت وابل من قصف القوات الصهيونية التي كانت تحاصر قواته، ومع ذلك نجا بمعظم أفراده وأسلحتهم، وهو ما أكسبه سمعة كبيرة في القوات المسلحة وتم تعيينه قائدًا للقوات الخاصة.

 

لا يمكننا بطبيعة الحال تجاهل الخلاف في وجهات النظر بين القادة العسكريين حول التعامل مع ثغرة الدفرسوار إبان الحرب، ولكن المؤكد أن الجميع اجتهدوا للمصلحة الوطنية، وللمجتهد أجران إن أصاب وأجر إن أخطأ، وقد روى الشاذلي قصة الحرب وخطة المآذن العالية التي وضعها بنفسه، وتفاصيل ثغرة الدفرسوار في كتابه الشهير "حرب أكتوبر" الذي ظل ممنوعًا من التداول في مصر لسنوات طوال، وهو الكتاب الذي حوكم بسببه بدعوى نشر أسرار عسكرية، وحكم عليه بالسجن 3 سنوات مع الأشغال الشاقة وتجريده من حقوقه السياسية، ووضع ممتلكاته تحت الحراسة، وظل الرجل بعيدًا عن وطنه في الجزائر حتى عاد عام 1992؛ ليتم القبض عليه في المطار وايداعه السجن الذي قضى به عامًا ونصف العام.

 

لقد تنبأ الشاذلي قبل وفاته بأن مصر ستكرمه يومًا ما، وقد أعلن تلك النبوءة حين ذهب إليه ضابط مصري صغير ليسلمه في الخفاء نجمة الشرف حين كان ملحقًا عسكريًّا في لندن عام 1974، وقال عبارة خالدة: "ليس التكريم هو أن أمنح وسامًا في الخفاء، ولكن التكريم هو أن يعلم الشعب بالدور الذي قمت به، وسوف يأتي هذا اليوم مهما حاول السادات تأخيره ومهما حاول السادات تزوير التاريخ"، وها هو اليوم قد جاء.