(1) استهلال: مصر العامرة!
سعدت سعادة بالغة على الرغم من كثير من دواعي الحزن المحيطة بالمشهد الثقافي- بالدعوة إلى صالون المساء الأدبي والثقافي الذي أدارته باقتدار الصحفية الوطنية: هالة فهمي مساء يوم الإثنين 28 سبتمبر 2010.
والحقيقة أن عددًا كبيرًا من مثقفي مصر الذين يحملون همها، وينشغلون بأحلام نهضتها، ويتحركون نحو آمال تقدمها ما يزالون منتشرين في عموم مدنها وقراها، وهو الأمر الذي يبعث على الأمل في الغد المشرق لهذا الوطن العزيز.
التقينا أربعة متحدثين أصليين حول هموم المؤسسة الثقافية الرسمية ومشكلاتها، وملامح فسادها ولاسيما بعد ثورة 25 يناير، ومحاولة التباحث حول القضاء على هذه المشكلات، كان هؤلاء الأربعة هم: الأستاذ الدكتور أحمد أبو حامد والأستاذ الدكتور أسامة أبو طالب، والأستاذ الدكتور خالد فهمي، والأستاذ الدكتور مرعي مدكور.
وتحدث الأربعة حول فساد الوزارة، وملامح هذا الفساد، وفجر كلامهم كثيرًا من المفاجآت، أحب أن أبرز منها مجموعة من الآراء:
أولاً- بدا الأربعة متفقين على أن قيادة الوزارة الآن مثال صارخ على مخاصمة الثورة وأهدافها لدرجة أن مرعي مدكور صديق الوزير الحالي قال في لحظةو صدق نادرة: إن الوزير ليس في قلب الثقافة!
ثانيًا- بدا الأربعة متفقين على انتشار الفساد في أروقة الوزارة، ومما جرى على لسان المتحدثين: مستشارو الوزارة هم آفتها ، كما قال مرعي مدكور، ومكتبة الأسرة أنموذج صارخ للفساد المالي والفكري ، كما قال أيضًا، ثم إن النظام السابق كان حريصًا على صناعة زعامات وهمية طالت وزارة الثقافة والإعلام ، على حد تعبير حامد أبو أحمد، إن الطريق إلى التحول الحقيقي طريقة تفكيك هذه المؤسسة كما قال أيضًا.
وهذا الذي نقلت بعضًا منه يؤكد أن مصر ما تزال عامرة بشكل حقيقي بأهم المقومات الباعثة على الأمل ألا وهو أبناؤها المخلصون المنتمون.
لقد كان مدهشا في هذا الصالون أن تكشف مجموعة من باحثي دار الكتب المصرية عن حالة العشق الراقي الذي يسكن قلوب كثير من المصريين نحو وطنهم، وتحرقهم إلى خدمته وترقيته.
(2) علامات الفساد: خطوط فاصلة
لقد توسع الثلاثة المتحدثون قبلي في تشريح جسم الفساد الذي يتشبث بأعضاء مؤسسة الثقافة الرسمية، حتى على لسان مرعي مدكور الذي بدا حضوره محكومًا بالدفاع عن صابر عرب أساسًا ؛ وهو الأمر الذي تجلى في أكبر علاماته ألا وهو رفض التوقيع على بيان يدفع نشاط الوزارة بالفساد على الرغم من اعترافه بهذا الفساد!
وفي كلمتي التي افتتحها بكلمة ملتقطة من خيري شلبي في روايته نسق الأدمغة يصف فيها صورة العصر السابق للثورة بعبارة تصفه بأنه زمن ازدهار الفساد، قررت على سبيل التشخيص لحالة استمرار الفساد بعد ثورة25 يناير وبعد وجود رئيس منتخب انتخاب حر ونزيه ما يلي:
أولاً- يكمن استمرار هذه الحالة في أن المؤسسة الحاكمة ما تزال ترى أن سؤال الثقافة ليس هو سؤال المرحلة.
وهو الأمر الذي ترتب عليه غياب النظر إلى الثقافة باعتبارها صناعة ثقيلة وخطيرة.
ثانيًا- كما يكمن استمرار هذه الحالة في حالة يمكن تسميتها بحالة انكماش الفعل الثوري، وهو خطأ إستراتيجي، ذلك أن الثورة في أيسر مناهجها عبارة عن معجون من ثلاثة عناصر هي: التغيير الجذري الشامل، وهو ما يمكن أن يسمى باسم تفكيك المؤسسة.
ثالثًا- كما ظهر أن ثمة جريمة أسميتها باسم جريمة الفضاء، وأقصد بها الإسهام القذر للإعلام غير المنتمي في استمرار هذا الفساد.
رابعًا- كما بدا من بعيد أن هناك سببين أساسيين آخرين لتعشيش الفساد في أروقة هذه الوزارة المهمة هما:
1-غياب دور مؤسسة الأزهر الشريف في الثقافة الراهنة.
2- فقدان الإرادة السياسية نحو الإصلاح في هذه الحكومة بشكل مثير للريبة ويمثل مفاجأة بامتياز.
(3) نحو النور!
لقد كنت مشغولاً وبشكل أساسي في هذه الصالون في التحول من بلاغة البكاء التي مارسها المتحدثون الثلاثة قبلى بامتياز إلى شيء من بلاغة البناء، بمعنى أنني حصرت كلمتي في تعيين مسارات التخلص من هذه الأجواء الكئيبة التي تحيط وتكتنف المؤسسة الرسمية للثقافة.
لقد بدا مدهشًا أن يعاود الدكتور ثروت عكاشة الذي يعد المؤسس الحقيقي لمؤسسة الثقافة المصرية في النصف الثاني في القرن العشرين، تأهيل نفسه ثقافيًّا فيكون المسار هو الانتماء لثقافة الأمة الأصيلة، معرفيًّا وإجرائيًّا؛ لقد حصل الرجل على درجة الدكتوراه بتحقيق كتاب المعارف لابن قتيبة؛ ليبرهن على هذا الوجه المنتمي الذي اغتالته وزارة الثقافة وما تزال تصر على اغتياله في مشروعاتها جميعًا.
إن التحول ممكن، وممكن جدًا لاعتبارات كثيرة جدًا، أرجو أن أوفق في تلخيصها في المحاور والمسارات التالية:
أولاً- تجاوز أجواء الصراع الوهمي بين التيارات الثقافية المصرية، لقد كان مدهشًا أن يلتقي صوتان طالما صدرا إلينا على أنهما عدوان لا يمكنهما الالتقاء على مشترك ما، هما صوتا الإسلاميين وغير الإسلاميين، أليس غريبًا وعجيبًا ومدهشًا أن يقرر هشام شرابي بتوجهاته غير الإسلامية أن العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين ينبغي أن تكون عقود نضال ثقافي، وأن يقرر في الوقت نفسه يوسف القرضاوي في موسوعته: فقه الجهاد أن الجهاد الآن هو جهاد اللسان، أو الجهاد بالثقافة!
وهو الأمر الذي يفتتح بابًا واسعًا أمام السؤال عمن من مصلحته إسكات هذا الصوت من المشترك بين هذه التيارات.
ثانيًا- أن التاريخ المعاصر في الميدان الثقافي سبق أن قدم لنا تجربة حية ناجحة لتجاوز مرحلة ازدهار الفساد، أو مرحلة ازدهار موت الثقافة الأصيلة وهي التجربة الماثلة فيما قدمه جيل الإحيائيين من مبدعي مصر الذين استطاعوا بذكاء ثقافي تجاوز عصور التراجع الثقافي، ووصل المحلة المعاصرة بعصور الازدهار الثقافي والأدبي للأمة الإسلامية، وهى التجربة التي من الممكن استلهامها اليوم بما يراعي ظروف المرحلة، واستحقاقاتها.
ثالثًا- استثمار عناصر القوة الكامنة في جسم المؤسسة الثقافية الرسمية، إن مصر تملك بنية تحتية ثقافية في المنشآت، والهياكل، والمشروعات، وتراكم الخبرات والمهارات، من الممكن تحويل مساراتها واستثمارها والبناء عليها.
رابعًا- اقتحام التغيير بوحي من نظرية الفعل الإيجابي، وهو ما يعنى أن الفكرة الإسلامية تقدم لنا تصورًا ناجحًا للتعيير يقتحم المشكلات، ويشتبك مع مؤسسة الفساد، ويضربها، ويقتلعها من جذورها.
إن الغرب الذي رأى في الفعل المسيحي إلى الدعوة المسالمة نوعًا من الفعل السلبي غير المثمر فانتقد التصور الإنجيلي يعطينا قدرًا من الثقة العالية في اقتحام أجواء التغيير بضرب عناصر الفساد، وهو عين ما يُسمى باسم الفعل الإيجابي.
خامسًا- التحرك نحو هذا الاقتحام بسلاحين ثقافيين من اليسير تخليقهما هما:
1-خلق نص تأسيسي يمثل عقدًا ثقافيًا حاكمًا للثقافة المصرية معبرة عن آمال المصريين، وحافظًا وداعمًا لهويتهم.
2- فعل على أرض الواقع بتصعيد الخبرات الوطنية المؤهلة في كل مفصل من مفاصل هذه المؤسسة ذات الأهمية الكبيرة.
إن مصر في حاجة ماسة إلى استعادة ثقافتها بعد زمان طويل من التغييب والتشويه!
ومصر برجالها المثقفين الوطنيين قادرة على الخروج من نفق الثقافة المظلم اليوم.
----------
* كلية الآداب- جامعة المنوفية