من الجميل أن ينتشر الإسلام؛ ولكن من الأجمل أن تكون آلة انتشاره الأخلاق والقيم لأنهما أساسه الأول ونبعه الصافي؛ إن المتصفح لتاريخ الفتوحات الإسلامية في شرق آسيا لا يسمع قعقعة لسيف ولا صهيلا لخيل، ولا يرى فرسا ولا فارسا؛ وإنما يستنشق عبير مجموعة من التجار ورجال الأعمال الذين حطوا رحالهم ليتاجروا هناك، ولكن حين حطوا تلك الرحال أناخوا معها الأخلاق والقيم في تلك البقاع البعيدة ، ونشروا فيها قيما سامية؛ ما كان لأهل هذه البلاد أن يعرفوا أشباهها؛ فنزلوا وكأنهم الغيث الذي يساق إلى الأرض الجُرز ليحييها؛ فسالت أودية بقدرها واعتنق عدد كبير من هذه البلاد عقيدة التوحيد ودخلوا في الإسلام دون قطرة دم.

 

وها نحن على مشارف دولة الإسلام الجديدة نرى تجار المسلمين ورجال أعمالهم يعودون ثانية؛ ليعيدوا الكرة عليهم، ويجددوا ما درس من إسلامهم، وكأنهم يرممون ما أفسده الدهر في صنيع أجدادهم وآبائهم الأولين، أو كأنهم يهمسون في آذاننا بأن ذي القرنيين المسلم الذي بلغ هنا، وبنى السد هنا، ترك لنا ميراثا هنا، وهو الإسلام؛ فماذا يصنع الوارث بميراث أبيه؟ إن لنا في تلك البلاد ميراثا غاليا بناه ذو القرنين من قبل، ورممه المسلمون الأوائل، وها نحن نعيد تجديده، أو وجب علينا إعادة تجديده.

 

إن الرئيس محمد مرسى حين ذهب إلى الصين لم ينس أن هذا الشرق الآسيوى كان له كبير الأثر في دولة الإسلام وانتشارها، وما بهتت صورة دولة الإسلام هناك إلا يوم أن رفع المسلمون أيديهم عنها، وقل اعتناؤهم بها، وشُغِل المسلمون بعضهم ببعض، وتقوقعوا على أنفسهم، حتى كاد يأكل بعضهم بعضا كما تأكل النار نفسها إذا ما حوصرت.

 

والتجار المسلمون أو رجال الأعمال الذين صحبوا الرئيس في جولته التاريخية لا يقل دورهم عن الدور الذي قام به التجار الأوائل من الرعيل الأول من المسلمين ، وقد تلمس تلك الروح العظيمة حين تعلم أن تلك الطائفة من رجال الأعمال سبقت الرئيس مرسى إلى الصين على متن طائرات مصرية ليس على نفقة الدولة رغم أنهم يطيروا لأجلها ،وإنما كانت رحلتهم على نفقتهم الخاصة؛ ليعلم سكان سجن طره مَن الباكي ومَن المتباكى ومن المصري ومن المتمصر، وليعلموا أنهم كانوا لصوصا وقطاع طرق وبلاد، لا تجارا ولا رجال أعمال.

 

إن مثل هذه الرحلات تستنهض فينا ما ضعف منذ زمن من الجد والعمل، تبعث في نفوسنا الهمة والشعور بالحاجة إلى المساواة مع تلك الدولة، تحيي في قلوبنا حب العمل كما يحبونه، إن ذا القرنيين المسلم هو الذي علَّم تلك الأمم العمل حين قال لهم: "أعينوني بقوة"، ألم يكن مسلما نشرف به؟ وها نحن مسلمون! فلابد أن نستعيد باتصالنا بهؤلاء صفة الجد والاجتهاد والندية، فلسنا نقل عنهم لا تاريخا ولا حضارة، ولا يشكون من عدد السكان كما نشكو، إنما كل إنسان هناك له عمل يسعى إليه ويطوره، فلنتعرف على هؤلاء جيدا. إنّ مثل هذه الرحلات الموفقة تمتد ظلالها إلى أطراف البلاد عرضا وطولا، وتتوغل في أنسجة المجتمع عمقا؛ وتتعارف الشعوب لا اسما فحسب بل صناعة وتجارة وثقافة وعلما وفكرا؛ فتصنع من العالم كونا واحدا سليما لا متنافرا، وإنما صنع هذا التنافر ذلك النظام السابق الفاشل ، الذي فشل أن يقيم علاقات مع دول الجوار حتى كاد يفقدنا ماء الحياة من النيل . 

 

وليت الأمر كان يقف على هذا الخزي فحسب، وإنما قد تستغشى ثيابك مستنكرًا حين تعلم أن الغرب هو الذي كان يملى على ذلك النظام السابق الوابق هذه المقاطعات وهذا التنافر، حتى تبقى بلادنا سوقا لهذا الغرب وحده، أو إن شئت مستباحة له وحده، ولكنى أعجب وقد تعجب معي على هذا الخزي الذي كان النظام المباركي الوابق يغمس نفسه فيه بكل حمق وغباء، ولأجل ماذا يُطأطئ الرأس بهذا الشكل المهين، وأي مصلحة تلك التي تهين وتجوِّع في آن واحد؛ زحموا أسماعنا بنداءاتهم الجوفاء عن الاستثمار والتعمير، وإنما كانوا يستثمرون ويعمرون لأنفسهم، ثم الطوفان لمن سواهم، ألا لعنة الله على الظالمين.

 

 ولكن على الجانب الآخر والمشرِّف الآن أن هذا الغرب الماكر يلقى بنفسه اليوم بين أيدينا وتحت شرطنا، فيرسل في ساعات معدودة أكثر من ثمانية وأربعين مستثمرا ليقفوا على أبواب مصر ينتظرون إذن الرئيس المرسى بالدخول.

 

إن تاريخ هذه الأمم يقص علينا أنها أمم مصالح لا غير، حتى دياناتهم طوعوها وأوقفوها على مصالحهم، أما حينما يرفعون رايات الدين في وجهنا؛ فلا تقلق فهي أيضا لمصالحهم، إن هؤلاء يلهثون وراء دنياهم ولو في دين غيرهم، فلنتمسك بديننا لأنه لا عزة لنا بدونه، ولأن هؤلاء باعوا أديانهم لأجل مصالحهم واشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، فسوف يغزوهم الإسلام من هذا الباب الذي فتحوه على أنفسهم ، وتكون أول عتبات الإسلام عندهم التمسك بالإسلام لحياتهم إلى أن تتحول الأشياء شيئا فشيئا فيتمسكوا به لآخرتهم يوم يسود الإسلام الأرض.

 

ولأجل ذلك كله وجب على تجار المسلمين ورجال أعمالهم أن يلموا بدينهم من كل أطرافه أينما حلوا وارتحلوا، وليعلموا أنهم سفراء الإسلام على الأرض، وصوره المتحركة التي تنقل للأمم الأخرى معاني الإسلام الحقيقية، لذا فمسئوليتهم كبيرة؛ لأن الأمر جد خطير، فلا يستهينون وينظرون لمصالحهم الخاصة، بل إلى مصالح أمتهم ودينهم، فإن فعلوا فتح الله على المسلمين بركات من السماء والأرض، ومن الشرق والغرب، وبات يُجبى إليهم ثمرات كل شيء، ولأنهم يسوقون خير أنفسهم لله؛ فسيسوق الله إليهم خير كل نفس. 

---------------  

* بمدارس الدعوة الإسلامية بسوهاج.