تذكِّرُني الهجمة الشديدة، والضوضاء المفتعلة بما زعموه وزوَّروه وملأوا الفضاء به ضجيجًا فيما عرف لدى الناس بما أسموه "الأخونة" مرة أخونة الدولة، ثم أخونة الحياة، ثم أخونة كل شيء، أقول : تذكرني هذه الجعجعة بما ذكره الله تعالى عن قوم تشربت قلوبهم ثقافة قديمة سيطرت على عقول وأهواء أصحابها بما أشاعه كبيرُهم الذي علمهم الدجل والسحر وقلب الحقائق، عندما أقنعهم بمنهجه وقانونه الظالم على كل شيء من حوله بعد أن طغى وبلغ الحد الأكبر من التجاوز لكل الحدود، مستغلاً استخفاف عقول من حوله فأراهم الحسن قبيحًا، والزور حقًا، والصلاح فسادًا، حتى أغراهم بأحد أولي العزم من الرسل سيدنا موسى عليه السلام وأعلن للملأ- المطبلين له على كل حال- وهم "النخبة" يومئذ!-: "ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَاد" (سورة غافر :26) وما كان له أن يصل إلى هذه الدرجة إلا عندما سمحوا له أن يرسي فيهم هذا المبدأ عندما قال لهم: "مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَاد" (سورة غافر: 29) ولم ينكر عليه أحد، ولم يجرؤ على معارضته في قوله المنكر أحد!

 

لكنَّ القويَّ الأمين، كليمَ رب العالمين قالها في قوة وثبات، معتذرًا إلى ربه تعالى عندما قلَّ الناصر، وسكت الجميع، فأعلنها قائلا: "إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَاب"  (سورة غافر : 27) كفي بالله وكيلاً وحسيبًا!

 

وهذه مقولةُ كل صادق مخلص محبًّ لقومه ولوطنه، أمام أولئك الذين مردوا على النفاق والكذب والتدليس والخداع، فقد دأبوا عليه زمنًا طويلاً، حتى صارت تلك الصفات تخالط دماءهم فلا يحيون إلا بها، ألا ساء ما يفعلون! وهذه "الفرعنة".

 

أما "الأخونةُ"، فما نعرفه ويعرفه المنصفون الصادقون المتجردون من كل هوى وسوء طوية وسوء ظن، فإن القوم منذ أن قاموا ومبدأهم معروف ومألوف وظاهر ومشهور، يعرفه الفقراء والبسطاء قبل الأغنياء والكبراء، أعلنه إمامهم ومرشدهم الأول الإمام حسن البنَّا رحمة الله تعالى عليه وعلى كل الصادقين المخلصين لدينهم ولوطنهم ولأمتهم فقال في رسائله: "إن غاية الإخوان تنحصر في تكوين جيل جديد من المؤمنين بتعاليم الإسلام الصحيح يعمل علي صبغ الأمة بالصبغة الإسلامية الكاملة في كل مظاهر حياتها: "صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً" (سورة البقرة : 138) وأن وسيلتهم في ذلك تنحصر في تغيير العرف العام وتربية أنصار الدعوة على هذه التعاليم حتى يكونوا قدوة لغيرهم في التمسك بها والحرص عليها والنزول على حكمها".

 

ثم يشرح الفكرة ويبين الغاية في بيان واضح وفي أسلوب رقيق يلخص لنا القضية في أول رسائله وفي الصفحات الأولى منها؛ حيث يقول رحمه الله: "ونحب مع هذا أن يعلم قومنا- وكل المسلمين قومنا- أن دعوة الإخوان المسلمين دعوة بريئة نزيهة، قد تسامت في نزاهتها حتى جاوزت المطامع الشخصية، واحتقرت المنافع المادية، وخلفت وراءها الأهواء والأغراض، ومضت قدمًا في الطريق التي رسمها الحق تبارك وتعالى للداعين إليه: "قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ" (يوسف: 108) فلسنا نسأل الناس شيئًا، ولا نقتضيهم مالاً ولا نطالبهم بأجر، ولا نستزيد بهم وجاهة، ولا نريد منهم جزاءً ولا شكورًا، إن أجرنا في ذلك إلا على الذي فطرنا، ونحب أن يعلم قومنا أنهم أحب إلينا من أنفسنا، وأنه حبيب إلى هذه النفوس أن تذهب فداء لعزتهم إن كان فيها الفداء، وأن تزهق ثمنًا لمجدهم وكرامتهم ودينهم وآمالهم إن كان فيها الغناء، وما أوقفنا هذا الموقف منهم إلا هذه العاطفة التي استبدت بقلوبنا وملكت علينا مشاعرنا، فأقضت مضاجعنا، وأسالت مدامعنا، وإنه لعزيز علينا جد عزيز أن نرى ما يحيط بقومنا ثم نستسلم للذل أو نرضى بالهوان أو نستكين لليأس، فنحن نعمل للناس في سبيل الله أكثر مما نعمل لأنفسنا، فنحن لكم لا لغيركم أيها الأحباب، ولن نكون عليكم في يوم من الأيام، لله الفضل والمنة ولسنا نمتن بشيء ولا نرى لأنفسنا في ذلك فضلاً، وإنما نعتقد قول الله تعالى: "بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" (الحجرات:17). وكم نتمنى– لو تنفع المنى- أن تتفتح هذه القلوب على مرأى ومسمع من أمتنا، فينظر إخواننا هل يرون فيها إلا حب الخير لهم والإشفاق عليهم والتفاني في صالحهم؟ وهل يجدون إلا ألما مضنيًا من هذا الحال التي وصلنا إليها؟ ولكن حسبنا أن الله يعلم ذلك كله، وهو وحده الكفيل بالتأييد الموفق للتسديد، بيده أزمة القلوب ومفاتيحها، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل الله فلا هادي له وهو حسبنا ونعم الوكيل. أليس الله بكاف عبده؟.

 

ولا أظهر ولا أبين لذي اللب الحكيم، وذي القلب الحاضر السليم، وذي الرأي المتجرد القويم من هذا الكلام، لذلك الإمام عليه رحمة الله.

 

إن أفراد وأبناء هذه الجماعة الوطنية العتيقة، قد تحملوا من الأذى والظلم والاضطهاد منذ نشأتهم حتى يومهم هذا ما لم تتعرض لمثله جماعة أخرى في حجمهم وانتشارهم- وإن شاركهم البعض بعضًا مما لاقوه– لكنهم تحملوا ذلك وصبروا لأنهم يحتسبون كل ذلك لربهم ولدينهم ولأمتهم ولأوطانهم، عرف ذلك من عرفه عنهم وجهله من جهله، وصدقهم من صدقهم، وعارضهم من عارضهم، ولم يضرهم من خالفهم ولا من عارضهم ولا من خذلهم؛ لأنهم تربوا على هذه المعاني، التي لخصها وأكدها معلمهم الأخير الدكتور محمد بديع، مؤكدًا على هذه المعاني والأهداف السامية عندما قال إبان قيام الثورة المصرية الخالصة التي شارك فيها الجميع وفي قلبهم الإخوان المسلمين عندما قال: "نحن قوم نكثر عند الفزع ونقل عند الطمع".

 

ويعرف هذه الأمور وهذا التاريخ وهذا النضال الطويل من يقرأ التاريخ ويقرأ كتابات المنصفين من الإخوان ومن غيرهم ممن خالطهم وعرفهم في السجون والمعتقلات، لو كان القوم يقرءون، ولو كانت لديهم رغبة في التحري ومعرفة الحقائق لكنهم في الغالب لا يفعلون؛ لأن لهم مآرب أخرى مما يقولون ويفعلون، والله المستعان على ما يصفون، وهو خبير بما يعملون، وما ربك بغافل عما يفعلون.

 

هذه هي "الأخونة" التي يعادون، وفيها بالباطل يخوضون، وعلى نقدها ونقضها وتشويهها ينامون ويستيقظون، ويتعاونون مع رفقائهم وإخوانهم الذين يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون، ويضلون الناس بغير هدى ولا علم ويحسبون أنهم مهتدون، ولا يعلمون أن الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ، وأنهم إلى ربهم راجعون، حاملين أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ!

 

فماذا يختار الناس بعد هذه البيان، أخونة أم فرعنة أم شيطنة؟

 

وأما "الشيطنة" فشيطنة أولئك الذين كنا من قبل قد نلتمس لبعضهم أعذارًا، وقدمت لهم النصائح ووضحت لهم الأمور مرارًا وتكرارًا، وكنا نقول: ربما كانوا لا يعلمون ولا يفهمون، وبالتضليل الإعلامي والتشويش الممنهج متأثرون، لكن يعجب المرء بعد إظهار الأمور، وانكشاف الحقائق، من هذا الإصرار غير المبرر على العداوة والبغضاء والتضليل المستمر، ويزداد العجب من هؤلاء ومن دورهم أيام الظلم البين الذي أصاب الجميع إلا من كان مع الظالمين أو من الذين ركنوا إليهم، ويصف القرآن الكريم الحال أعظم وصف، ويبينه أدق بيان فيقول عن مثل هؤلاء: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِين"(البقرة: 11- 16).
ويذكرنا القرآن بصفة لازمة لهم في القديم والحديث فيقول: "وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"
(النور: 48- 50).

 

ويعجب المرء كذلك من غفلة الجماهير، وعدم استيعابها للدروس والعبر مما كان ومما هو كائن الآن، وكيف أنهم عاشوا أحيانًا من الدهر مستخفين مقهورين مستكينين، وكأنه قد ران على العقول والقلوب ما كسبت من الغفلة والاستخفاف والخنوع للطغاة ويرحم الله الأستاذ الشهيد بإذن الله تعالى عندما قال: "فما يخدع الطغاة شيء ما تخدعهم غفلة الجماهير وذلتها وطاعتها وانقيادها، وما الطاغية إلا فرد لا يملك في الحقيقة قوة ولا سلطانًا، إنما هي الجماهير الغافلة الذلول، تمطي له ظهرها فيركب! وتمد له أعناقها فيجر! وتحني له رؤوسها فيستعلي! وتتنازل له عن حقها في العزة والكرامة فيطغى! والجماهير تفعل هذا مخدوعة من جهة وخائفة من جهة أخرى. وما يمكن أن يطغى فرد في أمة كريمة أبدًا، وما يمكن أن يطغى فرد في أمة رشيدة أبدًا، وما يمكن أن يطغى فرد في أمة تعرف ربها وتؤمن به وتأبى أن تتعبد لواحد من خلقه لا يملك لها ضرًا ولا رشدًا! فأما فرعون فوجد في قومه من الغفلة ومن الذلة ومن خواء القلب من الإيمان، ما جرؤ به على قول هذه الكلمة الكافرة الفاجرة : "أنا ربكم الأعلى" وما كان ليقولها أبدًا لو وجد أمة واعية كريمة مؤمنة، تعرف أنه عبد ضعيف لا يقدر على شيء، وإن يسلبه الذباب شيئا لا يستنقذ من الذباب شيئا!.

 

وأخيرًا نقول للثابتين العاملين الصادقين من كل الشرائح ومن كل الاتجاهات ولا نزال نحسن الظن إلى آخر لحظة إلا أن يتبين عكس ما نظن، ولا نزال نرى في الكثيرين خيرًا كثيرًا، أولى بذلك أن يجمع القلوب والعقول والقدرات للمشاركة الشاملة في بناء ونهضة هذا الوطن الذي صحا بعد نوم عميق، ونهض بعد كبوة طويلة، فإن فعلوا ذلك فهم إخواننا وأحبابنا ولا يكتمل الإيمان حتى يحب المسلم لإخوانه ما يحبه لنفسه، وإن كانت الأخرى من الصدود والعداوة والبغضاء والعناد والإصرار على الباطل دونما مبرر، ولا سبب حقيقي فعندها نردد ونذكر الحاكم والمحكوم، القريب والبعيد بذلك التوجيه الكريم الخالد: "ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ"(الجاثية: 18 -20).

 

فستذكرون ما قلت لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، هو حسبنا وعليه فليتوكل المؤمنون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب سينقلبون، والحمد لله رب العالمين.

----------------

* باحث بالمركز العالمي للوسطية– الكويت.