النصيحة من الأخلاق الإسلامية التي لها عظيم الأثر فى حياة الأمة كلها؛ حيث يدعو إليها المنهج الإسلامي في التربية  فيجعل من الإنسان إنسانًا منتجًا حتى عندما يعترض أو يغضب ولا يفسح له المجال كي يبقى معارضًا على الدوام، بل ينصحنا النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم: "لا تكونوا إمَّعَة تقولون: إن أحسن الناس أحسنّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم: إن أحسن  الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا" رواه الترمذي، وهنا ندرك أن التصدي للعمل العام يحتاج إلى تربية، وقد نجحت منظمات وجماعات في ذلك وفشلت أخرى، بل هناك في أوربا وقد كنت في ألمانيا منذ أيام ووجدنا أن التربية السياسية تبدأ من الصفوف الابتدائية، وقد رأيناهم وهم يزورون البرلمان والأحزاب السياسية، لذا فسن الترشح للبرلمان هناك 18 عامًا؛ بينما نحن هنا قد يموت الكبير ولا يدري ما هي الأحزاب؟ وكيف يعمل البرلمان؟! هذا النوع من التربية يجعل أصحابه أكثر واقعية فهم لا يعارضون بشكل دائم ويقدمون ما لديهم من بدائل مثلما قدمت كتلة الإخوان عام 2007 م 34 مادة بدلاً من المواد التي قدمها الحزب الوطني لتعديل الدستور وقتئذ!.

 

التجارب التي مررت بها بشكل شخصي في ظل الحزب الوطني البائد الذي استولى على الحياة السياسية والاقتصادية في مصر وأفسد الحياة الاجتماعية وتدنت في وجوده الحياة الثقافية والفنية كانت تقوم على هذا الخلق فلقد كنا نقاوم فساد وظلم واستبداد نظام أمني متوحش؛ وذلك بالإصرار على ممارسة حقوقنا السياسية ولم نستسلم أبدًا لكل محاولات الإقصاء حتى لو كان الثمن اعتقالات وسجونًا وتغريبًا ومنعًا من التعيين أو السفر أو الترقيات والمكافآت، بل التعذيب والقتل أحيانًا!! وعندما شاركنا في العمل السياسي سواء في البرلمان أو المحليات قدمنا نموذجًا من العطاء ونقدًا للفساد في نفس الوقت على قاعدة: إذا أحسنوا قلنا لهم أحسنتم وإذا أسأوا قلنا لهم أسأتم! ولم نشغل بالنا أن ما ننجزه قد يصب في نهاية الأمر لصالح هذا النظام الفاسد كما يتحسب البعض الآن ويجعل كل نجاح يحققه الرئيس (ابن الإخوان والحرية والعدالة) يسحب من رصيد المعارضين ويوطد لدولة يحكمها مصريون من أصحاب المرجعيات الإسلامية التي تكرهها فرق أو فصائل أو حتى دول تساندهم! لذا هم دائمًا في حالة معارضة بشكل وصل إلى حد السخافة التي أثارت لهم كثير من المشكلات وسحبت من رصيدهم في الشارع.

 

 ونماذج ذلك لا تعد ولا تحصى فعندما يؤدي الرئيس مرسي صلواته العادية في أحد المساجد نسمع الصراخ اليساري عن المتاجرة بالدين وخلط الدين بالسياسة وعندما يذهب بعض السياسيين لعقد مؤتمرات في الكنائس بصبغة سياسية كاملة وتحريض واضح ضد الشرعية نرى الصمم والصمت يصيب أصحاب الحناجر الفضائية عندما يقوم الإسلاميون بتوزيع الزكاوات والصدقات على المحتاجين أو عمل أسواق خيرية في المناطق الشعبية والفقيرة نسمع الصراخ اليساري والعلماني عن استغلال حاجة البسطاء لأغراض سياسية وشراء أصواتهم الانتخابية.

 

وعندما يقوم حزب جديد يفتخر بعلمانيته بتوزيع الكعك والحلوى على الفقراء وعمل أسواق خيرية في مناطق فقيرة نسمع التطبيل عن الالتحام الشعبي والعدالة الاجتماعية ونرى صمم وصمت الحناجر الفضائية.

 

اليسار المصري والليبرالية المصرية يبدآن من حيث انتهى الإخوان والإسلاميون بعشرات السنوات وبنفس المنهج والأعمال التي طالما استنكروها وتهجموا وتهكموا عليها، ولا مانع أبدًا لكن عليهم– ولا نشترط ذلك بشكل عاجل– لو أنصفوا لاعترفوا بخطأ اتهاماتهم السابقة للإسلاميين والاعتذار عنها صراحة أو التوقف عن تقليدهم فورًا!.

 

أما عن الإعلام فقد مارس دورًا سيسطر في التاريخ بحروف من نار قدر ما أحرقوا في الوطن من قيم وحقائق وثوابت  نموذج ذلك على سبيل المثال  "الإخوان سيدمرون السياحة ووجودهم خطر على أكبر مصدر للدخل في مصر"! في الوقت الذي صرح فيه وزير السياحة هشام زعزوع بالقول إنه نجح في رفع الحظر الصيني عن السفر إلى القاهرة والإسكندرية، وبالتالي بدأت مصر الترويج لمنتجاتها في السوق الصينية خصوصًا المنتج الثقافي، مشيرًا إلى أنه التقى 20 من منظمي الرحلات وتم الاتفاق على منحهم تسهيلات على الطائرات الشارتر (المؤجرة) إذا تم تسييرها إلى مصر.

 


وأشار إلى أن عدد السياح الصينيين في عام 2010 بلغ 107 آلاف سائح ونسعى حاليًّا حتى نهاية 2013 للوصول إلى 150 ألف سائح صيني، والمستهدف هو 1% من السياحة الخارجية الصينية، بحيث تصل إلى مليون سائح في 2020.

 

لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل دفعت العصبية الحزبية والصراع السياسي بعض السياسيين إلى تهديد المصالح المصرية وتشويه صورة البلاد أمام المستثمرين ليمنع تدفق أموال الاستثمارات ليؤكد ما تنبأ به مسبقًا من فشل الرئيس في إحداث أي تقدم اقتصادي ليسقط وتبقى المنافسة على مقعد المسئولية عارًا يتحمل وزره هؤلاء حتى لو خربت مصر!!! ولو أنصفوا لقالوا مثل ما قالت صحافة الأعداء؛ حيث رأت صحيفة "هاآرتس" الإسرائيلية أن مصر لم تتكيف مع حركة الإخوان المسلمين ولكن الإخوان المسلمين هم الذين كيفوا أنفسهم مع مصر المعروفة بأنها "أم الدنيا". وأشارت الصحيفة إلى أن مصر لم تتلون باللون الأسود مع أن الإخوان المسلمين يحكمون البلاد، حتى أن رئيس مصر الدكتور محمد مرسي أعلن على رؤوس الأشهاد في قمة طهران أن مصر دولة ديمقراطية دستورية حديثة ولم يقل دولة إسلامية.

 

وأضاف الكاتب "عودة بشارات" في مقاله بالصحيفة أن الرئيس مرسي بعد انتخابه أعلن عن استقالته من حركة الإخوان المسلمين، إلا أن الصحفيين المصريين من شدة وقاحتهم– على حد زعم الكاتب- انهالوا بالهجوم على القصر الرئاسي متعقبين أي شيء يحدث بداخله، مشيرًا إلى أن رياح الديمقراطية بدأت تهب في مصر، مبرهنًا على كلامه ببرنامج "زمن الإخوان" الذي كان يعرض في رمضان والذي اشتمل على انتقادات للرئيس وحركة الإخوان المسلمين.

 

من الواضح أن النخبة المصرية ليست كتلة واحدة ففيها المنصف وفيها المتحامل وفيها الكاره وفيها المتسلق، وقد كشف الأستاذ خليل عناني عن أزمة النخب المصرية التي لم تمانع من الانقلاب على ثوابتها عندما يتعلق الأمر بالمنافسين الحقيقيين في الساحة السياسية، فقال في مقالة شهيرة له في جريدة الشرق الأوسط" النخبة المصرية في أزمة بين الأسلمة والعسكرة فلما خيرت اختارت العسكرة "!!!! وهذا ما يفسر التأييد الذي حازته فكرة بقاء العسكر في الحكم من فصائل صدعت أدمغتنا بمدنية الدولة واحترام الصندوق الانتخابي والحريات والدفاع عنها والعدل والمساواة، لكن تباينت المواقف حتى وجدنا من ثار لحرية الفنانين فيما يقدمونه أو يلبسونه بينما لم يحظ الضباط الملتحون أو المذيعات المحجبات بشيء من الدفاع عن حقهم، بل ادعوا كذبًا أن المذيعة جاءت من قناة الإخوان للتلفزيون المصري بينما الحقيقة المعلومة أنها بنت ماسبيرو هجرته لما ظلمت ووجدت من سمح لها بالحضور ثم عادت إلى بيتها الأصلي عندما سمح لها ! لكن ماذا نفعل إذا فسدت مفاهيم التناصح وصارت المعارضة هدفًا في حد ذاتها ! يؤسفنى أن أجد قامات تتهاوى لأن هوى النفس وحب الذات قد تمكن منها فلا ترى خيرًا ولا تجد نفعًا يقدم من منافسيها ! ولعلى من الصدق مع النفس أن نرفض في المقابل الإحساس بأنه ليس هناك أحسن مما كان ! أبدًا فدور المعارضة الحقيقية أنها تكشف الطريق بأضواء الحقائق والوقائع و الرؤى التي قد لا يراها الحاكم وعليه– وقتها- أن يعترف بخطئه ويشكر من أبان له الحل الأفضل ويطلب منه المشاركة فتتحقق مقولة" أن كل الأحزاب السياسية سواء من تتولى المسئولية أو التي في المعارضة إنما هي في مجموعها مؤسسة الحكم التي إن نجحت. فقد نجح الجميع وإن فشلت في الأداء فقد فشل الجميع ! فالمنافسة الحقيقية إنما هي في البناء والنجاح  "وفى (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ )(المطففين: من الآية26) أما محاولة هدم القائم كي يأتي على الركام شخص جديد فى كل مرة فلن ينفع ذلك  مصر أو المصريين، بل سنكون (كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا) (النحل: من الآية 92) لتدور مصر في دائرة مفرغة لأن هناك من ارتضى شعار" يا فيها لا خفيها" ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.