في مسيرتنا للإصلاح والتغيير، وفي طريقنا للنهضة، نحن أشبه ما نكون بركاب سفينة تمخر عباب البحار تتقاذفها الأمواج وهي تتجه صوب شاطئ الأمان.
وسفينة المجتمع لا تختلف عن سفينة البحار والمحيطات، كلتاهما تحتاج إلى ربان ماهر، وركاب حريصون على النجاة، وكلاهما- الربان والركاب- متعلق بالله (وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ) (الإسراء: من الآية 67).
وصلاح الاثنين يمثل التقاء الإرادة الشعبية مع الإرادة الرسمية للعمل على النجاة. هذا الربان الماهر عبرت عنه السنة بالإمام العادل. وهؤلاء الركاب الحريصون على النجاة عبر عنهم القرآن بقوله (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) (الزمر: من الآية 18).
وكل من يخالف مخالفة، أو يرتكب محظورًا، أو يحطم قاعدة، إنما يخرق خرقًا في سفينة المجتمع، ويعرض الجميع لخطر الغرق.
وفي حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا".
ومن المعلوم بداهة أن الذي يسرق، والذي يزني، والذي يقطع الطريق، والذي يشرب الخمر وما يلحق بها، والذي يقتل النفس بغير حق، والذي ينشر المخدرات ويروج لها، والذي يشيع الفاحشة في المجتمع، هؤلاء جميعًا إنما يخرقون خروقًا في سفينة المجتمع.
ولكن هناك أصنافًا يخرقون خروقًا في المجتمع لا تقل خطورة عما سبق ولكن ربما لا يلتفت لذلك أحد.
الذي يعاكس الفتيات والنساء ويستضعف أنوثتهن في الطرقات العامة وعربات المترو والأتوبيسات إنما يهددون نجاة السفينة، وهؤلاء يجب الأخذ على أيديهم حتى نسد الخروق في السفينة، وقد كان من شيم أولاد البلد من المصريين في القديم أنهم إذا رأوا من يعاكس النساء أو الفتيات تكاثروا عليه وأوسعوه ضربًا بالنعال والأحذية، ولقنوه درسًا عمليًّا على قارعة الطريق أمام الملأ في احترام آداب الطريق والأماكن العامة.
والذي يسير في الاتجاه المعاكس للطريق، والذي يقود سيارته ويسير بسرعة فوق السرعة المقررة، والذي يكسر الإشارة، هؤلاء جميعًا يعرضون حياتهم وحياة الآخرين للخطر، ويقعون في جناية القتل شبه العمد إن سقط على أيديهم ضحايا، ويعتدون على حق الحياة، هؤلاء يخرقون خروقًا في سفينة المجتمع، ويجب الأخذ على أيديهم إن كنا نريد النجاة، فلا تقبل لهم شفاعة، ولا يستجاب في شأنهم لوساطة، ويؤخذون بقوة القانون وشدة العقوبة بعد الإفهام والتعليم والإنذار والتحذير.
والذين يقبلون الرشى، ويأكلون المال المؤثم، لقاء تقديم ذوي القربى والمعارف والمحاسيب في الوظائف العامة، والمصالح الحكومية، ويوسدون الأمر إلى غير أهله دون مراعاة الأهلية وتقدير المواهب والمهارات، هؤلاء يخرقون السفينة، ويفوتون على المجتمع الاستفادة من الكفاءات، في حين يتصدر النفايات، ومن هنا يجب الأخذ على أيدي كل من تتلوث يده بالمال الحرام، ويجامل على حساب الصالح العام.
والذين ينشرون الأكاذيب، ويروجون للإشاعات، ويختلقون الإفك، والذين يشهرون بالأبرياء ويلوثون سمعتهم بدون بينة، في وسائل الإعلام المختلفة إنما يخرقون خروقًا في سفينة المجتمع، ويجب الأخذ على أيديهم، ولا أحد فوق المعاقبة والمحاسبة، وليس لخارق السفينة مهما كانت صفته أو وظيفته أو فئته أية حصانة أو منعة من العقوبة، أو مزية على غيره، فإذا حدث هذا فلينتظر الجميع الغرق.
والذين يتأخرون عن مواعيد أعمالهم أو يتغيبون عن التواجد في مواقعهم المعيشية بدون عذر، ويعطلون مصالح الناس، ويلحقون بهم الأذى والمشقة، هؤلاء يخرقون خرقًا في سفينة المجتمع، ويجب الأخذ على أيديهم، وتسلك بهم سبيل الإصلاح وإلا كان الاستبدال، فليصلحوا أنفسهم أو يتركوا مواقعهم.
هؤلاء وغيرهم يخرقون خروقًا في سفينة المجتمع، ولا بد من وجود من يسدون هذه الخروق وتعليم الذين يعبثون بأمن السفينة حتى ينجو الجميع.
----------
*مدير مكتب الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بالقاهرة
fathy_ward@hotmail.com