سعدت بزيارة اليابان لعدة أيام وكانت نظرتي عنها قبل السفر كبقية المصريين الذين ينظرون إليها بإعجاب وانبهار، ومنذ أن وطئت قدماي أرض مطار ناريتا في طوكيو شعرت بأن هناك شيئًا مختلفًا وأنني في عالم آخر غير عالمنا وهذه ليست مبالغة ولكنها الحقيقة.
كنت حريصًا على رصد أسباب نهضة وتطور اليابان ومظاهر ذلك عمليًّا خلال تلك الفترة، ومن خلال زيارتي لعدة مدن ومقابلتي للعديد من اليابانيين من مختلف الشرائح استطعت تكوين صورة أعتقد أنها أقرب للحقيقة عن ذلك، وكان حرصي على ذلك هو سببين رئيسيين، الأول عقد مقارنة بيننا وبينهم في كيفية النهوض بعد الكوارث والأزمات، وثانيًا تحديد الأسس المشتركة في قيام نهضة حقيقية لمصرنا الحبيبة.
كان أول انطباع لي منذ اللحظة الأولى هو مدى حب اليابانيين لبلدهم وحرصهم عليها وعلى نظافتها ونظامها، ومدى إتقانهم للعمل والجد والابتكار والإبداع فيه، وحرصهم على حسن تمثيل صورة بلدهم دليل واضح على ذلك، فالكل مشغول بعمله وسعيد به بل وفخور به لا يتأفف ولا يتململ ولكنه يؤديه والابتسامة التي صارت علامة مميزة لهذا الشعب تملأ وجهه.
فالسائق يحرص على النزول وفتح الباب وحمل الحقائب وهو في كامل أناقته ونظافته، والملفت أن المترجمة حذرتني من أول يوم من عدم محاولتي إعطاء بقشيش له لأنه يؤدي عمله ولا يقبل بقشيشًا ومن حسن الحظ أن ابني كان قد حذرني من ذلك قبل السفر.
النظام هو سمت الحياة في اليابان فكل شيء منظم ومرتب ومجدول، بالطبع قد يقول قائل إن هذا هو ما قرأناه وما سمعناه عنهم ولكن الحقيقة من رأى ليس كمن سمع، فالرؤيا والواقع يختلف تمامًا عن مجرد السماع. فالحياة كأنها كمبيوتر كبير تسير بدقة متناهية وبنظام مذهل. فعندما زرت مثلاً بعض الأماكن بميعاد مسبق كنت أجد المعنيين في انتظاري وفي الوقت وتشعر فيهم جميعًا حرصهم على رسم صورة ذهنية مميزة لدى الضيف عن بلدهم وعن نهضتها.
فمثلاً قابلت إحدى الناجيات من قنبلة هيروشيما والتي تعدى عمرها الثمانين عامًا فوجدتها في انتظاري في الممر المؤدي للقاعة التي جلسنا فيها وبعد أن استعرضت أهوال ما شاهدت وعايشت، ذكرت أن بلادها لم تفكر في الانتقام ولكنها آثرت البناء، وهذه هي الرسالة التي حرص كل من التقيت بهم على التأكيد عليها وكانوا يتبنونها ويدافعون عنها والملفت أنهم يتحدثون بضمير الملكية نحن فعلنا وقلنا وقررنا، فالكل يشعر أنه مسئول ومشارك في بناء بلده وتسويقها لدى الآخرين.
كما أنهم يؤثرون العمل بروح الفريق وبما يمكن تسميته بالعقل والفكر الجمعي، فهم يرون أنهم حين يضعون كل خبراتهم ومعارفهم لدعم وجهة نظر وإن لم توافق رأي بعضهم فهذا خير لهم من الاستغراق وراء سيل من الآراء والمقترحات والتنظير التي قد تشتت جهودهم ووحدتهم، فمحصلة تلك النظرية هي مجموع خبرة وإبداع عقول وجهود الجميع وليس الفرد الملهم المبدع الدكتاتور الذي لا يقبل مشاركة أحد في قراره.
زرت سينداي إحدى المدن التي تعرضت لتسونامي وزرت هيروشيما الشهيرة وكيوطو العاصمة السابقة لليابان وكان الملحظ الأساسي هو حرص من التقيتهم على شرح معالم مدنهم والأحداث الشهيرة، فالسائقين مثلاً يتعمدون السير في طرق بعينها لشرح نقطة أو بيان معلم، وهم يتحدثون عن ذلك بفخر واعتزاز ببلدهم وتاريخها. ففي كيوطو مثلاً نجد السائق يترك الطرق الرئيسية ويسير بنا في شوارعها القديمة ويقف بنا أمام المعالم التاريخية بها.
وفي هيروشيما وضعت باقة من الزهور على النصب التذكاري للضحايا فوجدت المترجمة تقول إن السائق يشكرك باسم الشعب الياباني ويشعر بمنتهى الامتنان على هذه اللفتة الكريمة التي لا يفعلها بعض اليابانيين، فهو اعتبر نفسه ممثلاً للشعب الياباني كله في هذا الموقف ورأى أنه من الواجب تقديم الشكر عن ذلك.
كما لاحظت حسن توظيف الحدث وإن كان كارثيًّا بصورة مذهلة، فحين زرت بعض المواقع التي تأثرت بإعصار تسونامي وجدتهم قد رفعوا الأنقاض وأصبحت أرض فضاء، وبعد أن نقلوا أهل هذه المناطق المنكوبة لمناطق أخرى أقاموا مصانع في مكان الكارثة لإعادة تدوير مخلفاتها.
وكان الملفت أن جميع من التقيت بهم أو تناقشت معهم يقرون بأنهم بعد مأساة هيروشيما لم يفكروا في الانتقام والثأر ولكنهم آثروا العمل والجد والاجتهاد لإعادة بناء بلدهم وإحداث نهضة حقيقية لها عن السير وراء دعوات الثأر والانتقام، ولعل هذا نابع من أنهم شعب مسالم بطبعه ولا يحمل ضغينة لأحد.
وكان لافتًا أيضًا انشغال كل مواطن بعمله وبطريقه وبدون تدخل في شئون الآخرين وهذا ما لمسته في الحياة العامة فالكل يسير في وجهته ولا يشغل نفسه بمن حوله، فلا تجد أحدًا في الطريق أو وسيلة المواصلات أو المحلات العامة يشغل نفسه بغيره، فلا مجال للتطفل أوفرض رأي أو موقف على أحد ولا تجد أحد ينظر إليك، فالكل مشغول بما هو فيه عملاً كان أو تسلية.
كما أن من أهم عوامل النهضة في اليابان اهتمامهم بتربية أبناءهم والتي تجعل كل فرد ينفق ما يملك من أجل تعليم أبناءه ورفع مستواهم، فاهتمامهم الفائق بالتربية والتعليم موازٍ لنهضتهم، فالعلاقة وثيقة بلا شك بينهما وبين النهضة.
إن ما كان يدور في خلدي أثناء تلك الزيارة هو أن هناك تشابهًا ما بين اليابان ومصر وبخاصة في حجم الكوارث التي تعرضا لها ولكن اليابان بالإرادة والإدارة والتحلي بالمقومات الحقيقية للنهضة استطاعت التغلب عليها وأعادت بناء نفسها أقوى من ذي قبل، وهذا ما أشعره في مصر الآن بعدما أصابتها كارثة حكم مبارك التي لا تقل عن هيروشيما وتسونامي.
وأحسب أننا هنا لا نقلُّ أبدًا عنهم في حبنا لبلدنا ورغبتنا في إعادة بنائها من جديد، وأنه بعدما أصبح الشعب سيد قراره فإن طريق نهضتنا أصبح قاب قوسين أو أدنى من التحقق، وبخاصة بعدما بدأنا أولى خطوات الإصلاح، فلنجعل من اليابان ونهضتها مثلاً وقدوة ولنجعل من عوامل بناء نهضتها التي رأيتها والتي أوجزها في: حب الوطن وأداء واجبه والعمل بروح الفريق ونكران الذات وتغليب العام على الخاص والتخلي عن الأنانية وحسن توظيف الموارد والأحداث وتحويل الطاقات الكامنة في النفوس للبناء والنهضة وإتقان العمل والانشغال به والإرادة الحازمة والإدارة الجادة والاهتمام بالتربية والتعليم، دليل لنا لإعادة بناء بلدنا ونهضتها من جديد في القريب العاجل بإذن الله.