بينما تقترب اللجنة التأسيسية لوضع الدستور من الانتهاء من عملها يحتدم النقاش حول إبقاء أو إلغاء نسبة الـ50% المخصصة للعمال والفلاحين في المجالس النيابية والمحلية المنتخبة، وتتحرك بعض القوى اليسارية والعمالية لتحريض العمال على التحرك دفاعًا عن هذا الامتياز الذي منحه لهم ضباط يوليو 1952.
عمال مصر وفلاحوها هم بناة نهضتها، ومن حقهم الحصول على تمثيل عادل في المجالس النيابية والمحلية، ولكن فرض هذا التمثيل من خلال "كوتة دستورية" وإن كان مفهومًا ومقدرًا لحظة فرضه قبل خمسة عقود بهدف إنصاف تلك الفئة التي عانت من الحرمان طويلاً في ظل هيمنة نظام إقطاعي، إلا أنه لم يعد مقبولاً الآن بعد مرور هذه العقود الخمسة، والتي كانت فترة كافية لتتمكن تلك الفئات المحرومة من النهوض، والحصول على تمثيل مشرف بقراتها الذاتية بعيدًا عن الكوتة، وقد تغيرت الظروف بالفعل فنسبة المية تراجعت كثيرًا بفضل برامج محو الأمية، وكثير من أبناء الفلاحين والعمال تلقوا تعليمًا عاليًا ومتوسطًا، وحتى من بقي على مهنته فلاحًا أو عاملاً أصبح أكثر وعيًا وثقافة خاصة بعد ثورة 25 يناير، وبالتالي لم تعد هناك حاجة للإبقاء على تلك الكوتة التي تتنافى بالأساس مع مفهوم المساواة الذي تحرص كل الدساتير على تضمينه في بنودها.
كما أن الإبقاء على تلك النسبة هو إهانة لمصر، لأنه يعني أننا ما زلنا نعيش في تخلف وأمية، وأننا لم نتقدم عن الحالة التي كنا عليها في الخمسينيات والستينيات، وهو تصور يجافي الحقيقة، فالقرى المصرية تعج الآن بحملة الشهادات العليا وحملة شهادات الدكتوراة والماجستير، وأبناء العمال يتولون الآن أرقى المناصب.
لن ندخل في جدل حول حيثيات تحديد تلك الكوتة من قبل، واستخدامها لاستقطاب العمال والفلاحين إلى جانب ضباط يوليو في معركتهم السياسية مع قوى النظام القديم وقتها، ولكن الواقع العملي يؤكد سوء استخدام هذه الكوتة، ومساهمتها في شد مسيرة التطور الديمقراطي إلى الخلف، وقد بلغت المأساة قمتها بترشح العديد من لواءات الجيش والشرطة بينهم مديرو أمن سابقون بصفة فلاح لمجرد امتلاكه أربعة أو ثلاثة أفدنة، كما أن الكثير من رجال الأعمال كانوا يتقدمون للترشيح وقد فاز الكثيرون منهم بصفة عامل لمجرد قدرته على الحصول على شهادة بذلك من نقابة عمالية، أو لمجرد أنه بدأ حياته بمؤهل متوسط أو دون المتوسط.
لقد تغيرت الأوضاع في مصر كثيرًا بعد ثورة 25 يناير، وأصبحت كل الفئات لديها القدرة للدفاع عن مصالحها المشروعة، والعمال والفلاحون في مقدمة هذه القوى، ولديهم كتل تصويتية كبيرة مؤثرة في الانتخابات، كما أن لديهم الآن نقابات قوية سواء ضمن التنظيم الرسمي وهو اتحاد العمال أو عبر النقابات المستقلة، حيث يوجد الآن أكثر من نقابة للفلاحين وأكثر من نقابة عمالية مستقلة، كما أن الأحزاب تسعى لخطب ود هذه الفئات بما تمتلكه من كتل تصويتية ولذا فمن الطبيعي أن تضع مرشحيها في صدارة قوائمها، وسيصبح لدينا نواب وممثلون حقيقيون للعمال والفلاحين، وإضافة إلى كل ذلك من الممكن النص في الدستور الجديد على تشكيل مجلس اقتصادي واجتماعي يرعى مصالح العمال والفلاحين ويدافع عنها.
وفي إطار التغيرات الكبرى التي شهدتها مصر لن تقبل فئات المجتمع الأخرى والتي تمتلك صوتًا عاليًا أيضًا أن يتم الإبقاء على تمييز لفئة على حساب فئات أخرى، حيث تعتقد بعض الفئات أنها الأولى بالتمييز وتخصيص "كوتة" مناسبة لها في المجالس المنتخبة، وللتذكير فقط فقد كان النظام السوداني يخصص قبل سنوات نسبة 10% من الدوائر للخريجين مخصصة فقط لحملة المؤهلات العليا ترشيحًا وانتخابًا، ولكننا في مصر لا نريد تمييزًا لأحد، بل نريدها عدالة وحرية ومساواة للجميع أمام الدستور والقانون.