عاشت مصر بل والأمة العربية والإسلامية مشاعر عظيمة غابت عنها لسنوات طوال احتفالاً بكلمة السيد رئيس الجمهورية في مؤتمر عدم الانحياز بطهران، مشاعر امتزجت فيها العزة والكرامة والقوة والتفاؤل والأمل، فقد وجد المواطن نفسه وجهًا لوجه مع من يعبر عما بداخله وينحاز لخياراته وينتصر للحق ويعلي قيمة المبادئ والقيم العليا بعيدًا عن المواءمات السياسية والمجاملات الدبلوماسية.
لقد أعاد خطاب الرئيس الروح للمواطن البسيط وللمثقف وللسياسي والنخبة والعامة على حد سواء، فكل منهم وجد ضالته في خطاب الرئيس ووجد مصر تتبوء مكانتها من جديد وتخطُ تاريخها الحديث بأحرف من نور يسطرها زعيم جاء من رحم الشعب وطموحاته وآلامه، اكتوى بنار الظلم فرفضه لأهله في مصر وفي الوطن العربي والإسلامي وللبشرية كلها، وذاق مرارة الاضطهاد فلم يقبله لأي جهة أو تحت أي مسمى، وتدثر بوعد الله بنصر عباده المؤمنين فجاءت كلمته شاملة وقوية وواضحة وحاسمة.
انتصر للمظلوم من الظالم وأقام الحجة على الجميع ليقوم كل واحد وكل جهة بواجباته تجاه قضايا الأمة المصيرية التي لم تعد تقبل أنصاف الحلول وما كان هذا ليصدر إلا عن زعيم منتخب بنزاهة ويتمتع بقاعدة شعبية كبيرة تزداد يومًا بعد يوم.
لقد دشن خطاب لإعلان مصر القوية غير تابعة لأي قوة والمستقلة في قرارها، مصر المكان والمكانة والقيمة والقامة، مصر العظيمة التي بدأت تبني قواعد المجد والعزة والكرامة من جديد كعادتها عبر التاريخ.
فقد انحاز الرئيس في خطابه لإفريقيا وطالب بضرورة تمثيل إفريقيا في مجلس الأمن ومعالجة سلبيات استخدام حق الفيتو، وهو ما يعطل المنظمة الدولية عن اتخاذ كثير من المواقف الحاسمة والحساسة، والأبرز في ذلك المشكلتين الفلسطينية والسورية.
كما انحاز لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وأهمية دور حركة عدم الانحياز في دعم الحق الفلسطيني، والاعتراف بحق الفلسطينيين في عضوية كاملة للدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة ومساعدة الشعب الفلسطيني ومساعدة السجناء الفلسطينيين لنيل حريتهم.
كما انحاز للشعب السوري المناضل حين أكد على دعم الشعب السوري ونضاله ضد النظام القمعي، معتبرًا ذلك حق وواجب، وكذلك دعوته لدول الحركة جميعًا أن تعلن دعمها الكامل غير المنقوص لمطالب الحرية في سوريا، وأن تتم ترجمة ذلك في خطوات عملية تدعم الانتقال السلمي لنظام ديمقراطي وبطريقة سلمية، وبما يحفظ سوريا من الحرب الأهلية أو التقسيم.
ووضع الجميع أمام مسئولياته السياسية والأخلاقية حين دعا الأطراف المختلفة لإيجاد الحل المناسب لهذه المحنة وتحقيق التطلعات المشتركة لشعوب الحركة ووقف نزيف الدم السوري، معتبرًا أن ذلك النزيف في رقاب جميع دول الحركة، قائلاً: علينا أن ندرك أن هذا الدم لا يمكن أن يتوقف بغير تدخل منا جميعًا لوقف هذا النزيف.
ولم يغب عنه الدعوة لمواجهة التحدي النووي ومطالبته بتفعيل دور دول الحركة لدعم مبادرات نزع السلاح النووي ومنع انتشاره بما ينطبق على الجميع، خاصةً أن دول المنطقة انضمت جميعها للمعاهدة باستثناء الكيان الصهيوني، وفي المقابل حفظ حق دول المنطقة في الاستخدام السلمي للطاقة النووية.
كما كان البعد العالمي حاضرًا في كلمته حين طالب دول الحركة بالتنسيق ومجموعة الـ77 والصين للتعاون بين دول الجنوب والحوار مع الشركاء الدوليين والتعاون؛ لتنفيذ ما تحقق من إنجازات وتحقيق التعاون الدولي في مجال التنمية المستدامة وتحقيق تطلعات الشباب، وتمكين المرأة ومنع التمييز ضدها.
وكم كان الرئيس موفقًا حين أثنى وترضى على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا الموقف السليم والشرعي الذي نعذر به إلى الله، فقد أثبت الرئيس أنه يتعبد إلى الله بالسياسة وأن السياسة ودهاليزها وحيلها لا يمكن أبدًا أن تغير من الثوابت التي تربى عليها الشعب المسلم في كل الأنحاء، بغض النظر عن الانتماءات المذهبية.
ولعل في الموقف الغريب وغير المبرر من الإعلام الإيراني بتغيير الترجمة والتلاعب فيها يضع سحابة من الشك حول مدى الصدق والشفافية في العلاقات المستقبلية بين مصر وإيران وبين الشعبين، فما حدث غير مقبول وغير لائق ويتنافى مع الأمانة في النقل والقواعد الدبلوماسية المنظمة لتلك المناسبات.
لقد وصف الرئيس إيران بالدولة الشقيقة، فهل يجوز من الأشقاء مثل هذه الأفعال، أعتقد أننا في حاجة لتوضيح من الخارجية الإيرانية أو على الأقل القائم بالأعمال الإيراني في القاهرة حول هذا الموضوع ومبرراتهم في ذلك، فالوضوح والصدق والأمانة وعدم تزوير التصريحات من أهم قواعد بناء الثقة بين الشعوب قبل الحكومات.
لقد وضعت رحلة الرئيس للصين وإيران قواعد هامة لبناء مصر الجديدة التي عبر عنها بأنها (مدنية، وطنية، ديمقراطية، دستورية، حديثة) فهكذا تبنى الدول حين تتحرر إرادتها ويتولى قيادها المخلصين من أبنائها لتعود مصر من جديد كدولة رائد للمنطقة ولأمتها.
ولقد عز على البعض فرحة الشعب برئيسه الذي طال انتظاره وبدأ يتنادى بعدم فرعنة الرئيس وأننا لم نقم بالثورة لنزيح فرعون ونصنع آخر، واعتقد أن هذا حق يراد به باطل، فالشعب بعد الثورة لن يسمح لأحد أن يتفرعن وبخاصة إذا كانت مدته محددة وأن هناك مؤسسات عديدة تراقب أداءه وقراراته وأن الوعي الشعبي أكبر بكثير من وعي بعض من يسمون أنفسهم بالنخبة التي تحاول تقزيم أي إنجاز للرئيس وتضخيم أي مشاكل أو عقبات تظهر على الطريق.
فالشعب أصبح صاحب الإرادة والسلطة ولا يقبل الوصاية من أحد فقد شب عن الطوق وأصبحت له الكلمة العليا.
هناك فرق كبير بين النقد والهدم وبين النصح وتصفية الحسابات وبين التأييد وشد الأزر وبين التثبيط، فاتركوا الشعب يفرح برئيسه ويشد من أزره ويدعمه في طريقه الطويل لبناء مصر التي نتمناها جميعًا ولا نريد من البعض أن يضع العقبات في طريق النهضة سواءً كانت مادية أو معنوية، عند عمد أو عن غير عمد.
إن ردود فعل القيادات العالمية على خطاب الرئيس الأخير وقراراته من قبل جعلنا نفخر بمصريتنا وبدأ يعيد لنا مكانتنا المستحقة بين الأمم، وبدأ يزيل عن مصر غبار سنين من القهر والاستبداد والفساد والإفساد الذي أفقدها الكثير من مكانتها بفعل فاعل ومع سبق الإصرار والترصد.
فلنتكاتف جميعًا لبناء مصر وفي حب مصر ولنهضة مصر وخلف رئيس أبهر العالم كله بأدائه خلال أيام فقط وليس خلال شهور أو سنين، حفظ الله مصر وشعبها ورئيسها وسدد خطاه لما فيه خير البلاد والعباد.