منذ ستة أشهر كتبت مقالاً عن الأزمة السورية بعنوان :"سوريا بين الحل الليبي والحل اليمني فهل من حل ثالث؟ "وذكرت فيه "أوشك عام على ثورة الشعب السوري ضد نظام بشار أن يكتمل، وكل يوم يدفع الشعب قسطًا غالي الثمن من دماء أبنائه الشهداء وجراحات الجرحى وآلام المصابين وأوجاع ذويهم وأنَّات أهاليهم، ويقينـًا فقد استطاع هذا الشعب الأبي أن يكسر حاجز الخوف ويستجمع قواه الثورية ويحشد طاقاته الغاضبة، ومن ثَمَّ اشتعلت ثورته وقويت غضبته، واتسعت جغرافيًّا حتى فاجأت نظام بشار نفسه؛ فها هي إرهاصات مشاركة حلب وأهلها في الثورة وتزايد مشاركة المناطق الحضرية من العاصمة دمشـق في فعاليات الثورة، وهما المحافظتان اللتان راهن الجميع عليهما، سواء النظام وحلفاؤه أو الشعب السوري وأنصاره.
في بدايات الثورة السوية- وهي في طور الاحتجاجات المحدودة- كتبت رسالةً موجزةً موجهةً إلى بشار، تمنيت فيها أن يكون هو مهاتير سوريا أو أردوغان العرب، وأن يسرع الخطوات ولا يحرق الفرص المتاحة ويستثمر عنصر الزمن؛ ليكون في صالح سوريا شعبًا وتاريخًا ودورًا، وكثيرون فعلوا مثلي، وانهالت النصائح والدعوات له أن يبادر هو ويسبق شعبه بخطوة أو على الأقل يتجاوب معهم، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث، وانطلق هو ومن معه يُعيدون إنتاج ذات المشروعات الكلامية والوعود بالإصلاحات ويكرر نفس الخطابات السابقة له، أنه سيفعل وسوف يقدم على إنجاز كذا وكذا، ويعيد على مسامع شعبه ذات الخطابات التي ملَّها الشعب السوري وكرهها.
وكتبت رسالة ثانية حذرت فيها من مغبة التسويف والمحاولة الفاشلة بالرهان الخاسر، أنه في الإمكان خداع الشعوب بترحيل الحلول إلى مستقبل قريب أو بعيد حتى تهدأ ثورة الشعب وتضعف قوته الغضوبة فيكرُّ عليهم وعلى الأخص العناصر الفاعلة منهم، تلك خطة خائبة أسقطتها ثورات الربيع العربي، وناديته بالرئيس "سوف الأسد" إذ صارت لازمة في حديثه وأحاديث رجاله ترديد كلمة "ســوف"، لكنه سار على ذات درب الأربعة السابقين عليه (بن على المطرود، مبارك المخلوع المسجون، القذافي المقتول، عبد الله صالح المخلوع)، يحرق الفرص المتاحة ويبدد الحلول الممكنة، ويضيع الآمال المعهودة وكأنه قدرُ الأمة أن يتوارث حكامها هذا الميراث النكد الذي امتزج فيه الغباء مع شهوة السلطة وجبروت الملك فلا يُغادرونه إلا انتزاعًا، وصدق الله العظيم إذ يقول:(كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ" (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53)) (الذاريات).
ومع التطورات الأخيرة في الأزمة السورية وحدوث المنعطف الخطير للثورة وتحول المشهد إلى ساحة حرب وقتال، لم يتورع النظام السوري عن استخدام كل الأسلحة وأدوات القتل والتدمير من قصف بالطائرات الحربية والدبابات، فضلاً عن إعدام الثوار وذويهم علنًا وارتكاب المجازر الجماعية في حق المواطنين السوريين العزل، وقيام الجيش السوري الحر بالرد والاشتباك والدخول في مواجهات مباشرة مسلحة، ومن ثم تحولت الثورة الشعبية من كونها ثورة سلمية لشعب يتوق إلى الحرية والكرامة الإنسانية وحقه المشروع في إدارة شئون بلاده، إلى ثورة مسلحة تنذر بوشك انزلاق سوريا إلى أتون حرب طائفية وصراعات أهلية ومواجهات مسلحة عرقية، وهو الأمر الذي صار يهدد كيان الدولة السورية.
إنَّ شلالات الدم السوري المتدفق صباح مساء صارت تستصرخ كل ضمير عربي حر، وكل إنسان يعرف للإنسانية حقها، فلم يعد الأمر يحتمل السكوت أو إبداء مشاعر التعاطف مع الشعب السوري، بل تجاوز كل أشكال الشجب والاستنكار التي ملأت جنبات العالم وأغرقت حروفه قضية الشعب كما حدث من قبل مع الشعب الفلسطيني الشقيق، وأجزم أن المشهد الحالي أكبر من تقديم الدعم المادي العيني أو اللوجستي للشعب السوري سواء داخل سوريا أو في معسكرات الإيواء للنازحين الفارين من جحيم المعارك ونيران القتل الممنهج، أقول الأمر يستدعي سرعة التحرك واتخاذ مواقف حاسمة لا مواربة فيها ولا إمساك للعصا من وسطها، تاريخ البشرية يحبس أنفاسه مترقبًا موقف كل شعب وقرار كل دولة ورأي كل إنسان ليسجل التاريخ ذلك كله، في هذا السياق جاءت المواقف الحاسمة لمصر الثورة والنهضة والعروبة على لسان السيد الرئيس محمد مرسي حين أعلنها صريحة في ميدان التحرير في 29/6/2012 وكررها بوضوح في مؤتمر القمة الإسلامية المنعقد بالسعودية الشهر الماضي، والتي أعلن فيها عن مبادرة مصرية لحل الأزمة السورية عبر تكوين لجنة رباعية من مصر والسعودية وإيران وتركيا لحل النزاع ونزع فتيل الدمار والخراب والقتل المستمر، ثم أعاد تأكيد قرار مصر من خلال خطابه الشهير في طهران بمناسبة انعقاد قمة دول حركة عدم الانحياز في 30/8/2012، وبالأمس أوضح- في الجامعة العربية- أن دماء شعب سوريا في رقابنا جميعا، داعيًّا المجتمع العربي والدولي إلى تكثيف وسرعة العمل لوضع حد لمأساة الشعب السوري ونكبته، وأن يتم ذلك في إطار عربي مشترك وبدعم دولي من الدول والمنظمات الدولية لحقن الدماء والحفاظ على وحدة التراب السوري، وأعلن أنه مازال هناك فرصة للحل السلمي وحقن الدماء والحفاظ على كيان الدولة السورية بعيدًا عن التدخل العسكري الأجنبي الذي نرفضه ولا نقبل به، وطالب بشار الأسد أن يعتبر من دروس التاريخ القريب والقديم، فالاستبداد والظلم لن يبقى طويلاً، والبقاء للشعوب والأنظمة لا تدوم ولا أكتمكم سراَ إن وقع هذا الموقف الصريح الحاسم لمصر- والذي عبر عنه الرئيس محمد مرسي- وتداعياته على المستويين العربي والدولي قد أثار موجات متباينة من ردود الأفعال، سواء المؤيدة له أو المعترضة عليه، واليوم كان لي حوار على قناة فضائية عربية حول الموقف المصري عبر من خلاله أحد السياسيين اللبنانيين عن اعتراضه وشخصنة القضية وانحرف بها عن الأصل واللب وادعى- شأنه في ذلك شأن البعض الذي دأب على التصيد والتحرش السياسي والإعلامي لكل مواقف السيد الرئيس- أن هذا الموقف تدخل في الشأن الداخلي السوري ولا يصح ولا يقبل هذا التدخل، وإن حالة التمرد التي تشهدها سوريا هي مؤامرة دولية تحاك ضد النظام السوري، وربط بين الموقف المصري الحاسم والموقف التركي الداعم لثورة الشعب السوري على أساس الرابطة الفكرية بين قادة تركيا والرئيس المصري إلى غير ذلك من أمور وادعاءات .
ووجدتُ نفسي مضطرًا أن اعرض لهذه التوهمات والأراجيف قبل أن أبدي رأي في المشهد السوري وأفق الحل المقترحة؛ حيث لا يزال البعض في عالمنا العربي والإقليمي يعيش في غيبوبة مفتعلة حين يصر مستكبرًا على وصف ثورة الشعب السوري بأنه تمرد وأحداث شغب وأن النظام السوري يقوم بالرد وضبط حالة الأمن في البلاد، ويجد هذا المنطق الغيبوبي مساندةً ودعمًا من بعض الفضائيات ووسائل الإعلام وهذا يغري النظام القمعي المستبد في دمشق ويمنحه بعض الوقت وبعض الروح لكنه لن يصمد طويلاً فالكذب والتضليل له نهاية.
وعجيبٌ ذلك الإدعاء أن موقف مصر الحاسم تدخل في الشأن الداخلي السوري، منذ متى وحديث الشعب المصري وموقف مصر الرسمي في الشأن السوري يُعدُّ تدخلاً غير مقبول؟
علاقات الشعبين المصر والسوري أبدية وخالدة، كنا منذ خمسين عامًا دولة واحدة لها رئيسٌ واحدٌ وعلمٌ واحدٌ ومقعدٌ واحدٌ في الأمم المتحدة، كنا دولة واحدة ذات إقليمين شمالي في دمشق وجنوبي في القاهرة العاصمة واسمها "الجمهورية العربية المتحدة" في لحظات تاريخية تعبر عن رغبة الشعبين المصري والسوري في تحقيق الوحدة العربية الكبرى وبدايتها وحدة مصر وسوريا في الجمهورية العربية المتحدة.
وكنا معًا حاربنا معًا، ذقنا مرارة الهزيمة في يونيو- حزيران 1967 - معًا، وتقاسمنا حلاوة النصر معًا في العاشر من رمضان السادس من أكتوبر 1973، فالتاريخ والجغرافيا والحاضر والمستقبل، وكذا اتفاقية الدفاع العربي المشترك، وما تضمنه ميثاق الجامعة العربية وما يحمله من تطلعات الأمة العربية من الخليج إلى المحيط، كل هذا يعني أن الشأن السوري شأنٌ عربي ولا يمكن تصور بعده عن مصر الثورة والعروبة.
أمر آخر يتأكد يومًا بعد يوم وهو استقلالية القرار المصري بعد ثورة يناير، وقد تحرر من التبعية وتحول من مربع التابع إلى مربع الفاعل بما يليق بمكانة مصر التاريخية والجغرافية والبشرية، مصر تمثل نفسها وتعبر عن رأي الشعب المصري، لا تمثل ولا تنوب عن غيرها ولا يمكن أن تستخدم كوكيل عن دول أخرى، مصر الثورة تضع نسب عينيها المصالح العليا لشعبها ولا تغفل الالتزامات والواجبات الملقاة على عاتقها نحو أمتها العربية وتُعنى بشئون الشعب العربي من المحيط إلى الخليج.
والآن نحن نقف على مفترق الطرق، وبين أيدينا الفرصة الأخيرة متمثلة في المبادرات الأخيرة التي أُعلنت وفي مقدمتها مبادرة الرئيس محمد مرسي ومعها مبادرة العراق ومهمة المبعوث الأممي العربي الأخضر الإبراهيمي فهل ينصاع النظام في سوريا ويتجاوب مع هذه المساعي الإنقاذية التي تبدو الأخيرة ؟
وهل من وقفة جادة من الدول العربية والإسلامية لنصرة شعب سوريا ودعمه حتى ينال ما يتطلع إليه من حرية وكرامة إنسانية وعدالة اجتماعية وحكم رشيد؟
وهل من همة عالية وإرادة فتية من شعوب أمتنا العربية والإسلامية، لاسيما الشعوب صاحبة ثورات الربيع العربي، وأحرار العالم أصحاب الضمائر الحية التي تنتصر للإنسان وحقوقه وحرياته، حتى يشكلوا ضغطًا مستمرًّا متصاعدًا على حكوماتهم بغية اتخاذ مواقف حاسمة ومنجزة تنهي مأساة شعب حر كريم يتطلع لنيل الحرية الكاملة والعيش في ظلال حكم رشيد؟
نأمل أن يحمل لنا اليوم أو الغد القريب ما يمسح آلام أهل سوريا ويحقن دماءهم ويحفظ سوريا لأهلها وأمتها، وعسى أن يكون قريبًا .
-------------
* النائب السابق والمحامي بالنقض والدستورية العليا