طالعنا كاتب علماني- منذ أيام- بمقال نشرته الأهرام بعنوان (لماذا يزدري الإسلاميون أوطانهم؟) حفل بالعديد من المغالطات والأكاذيب، بل والحقد، على فصيل هو من أنبل الفصائل وأكثرها وطنية؛ إذ ادَّعى أن الإخوان المسلمين وغيرهم من التيارات الإسلامية يحتقرون أوطانهم، كما استنكر الكاتب على الإخوان مناداتهم بالخلافة، وسعيهم من أجل وحدة إسلامية كبرى قررتها الشريعة وشهدناها واقعًا ملموسًا لمئات السنين إبَّان تفوق الحضارة الإسلامية وسيادة الحكم الإسلامي الرشيد.

 

وإذا كان هذا الكاتب- لغل في صدره- قد خبأ الصورة الوضيئة واستبدلها بمواقف باهتة لإثبات أن الوطن والمواطنة لا مكان لهما في فكر الإخوان، الذي هو- في الحقيقة- فكر الإسلام الوسطي الصحيح- فإنا نرده إلى النصوص والوقائع التي تثبت أن كل قطرة من دم أبناء الجماعة- على مدار تاريخها- تنطق باسم هذا الوطن، وتعتز بالانتماء إليه.

 

لقد قدَّم الإخوان- من قبل أن يولد هذا الكاتب المفتري- مئات الشهداء من أجل رفعة هذا البلد، وكرامته، وحرية أبنائه ونزاهتهم. قد ينكر الكاتب التاريخ النضالي للإخوان ضد المستبدين والمحتلين لأوطانهم، منذ نشأتهم عام 1928م، ليس في مصر وحدها، بل في شتى الدول الإسلامية التي وُجدوا فيها، لكنه لا يستطيع أن ينكر دورهم الأبرز في ثورات الربيع العربي، في مصر وليبيا وسوريا واليمن، وفي الجزائر والمغرب وغيرها، وليتخيل الكاتب هذه الدول بدون الإخوان المسلمين؛ كيف يكون حالها؟

 

إن الولاء للوطن- في نظر الإخوان- ليس منافيًّا للولاء للدين، والإسلام لا يلغي الوطنية كانتماء إلى وطن، ولا يلغي القومية كانتماء إلى أمة، وانتماء المسلمين إلى الأمة الإسلامية لا يلغي انتماءهم إلى أوطانهم المحلية، أما اعتقاد البعض أن بإمكانه حل مشكلاته بمجرد انتمائه الوطني، فهذا وهم، فلا بد من الاعتبار الديني والأيدلوجي، وهذا هو الفرق بين الإسلاميين وغيرهم، ممن عبدوا الوطن واتخذوه إلها، فأضروه أكثر مما نفعوه.

 

ومعلوم في الفكر الإسلامي كذلك أن أوطان الناس قطعٌ من أكبادهم، وحبها أمرٌ فطري جُبلوا عليه، وهكذا جميع المخلوقات، فالطير والأنعام والأسماك وغيرها، سرعان ما تعود إلى بلادها التي تركتها من أجل السعي على الرزق، مهتديةً بفطرتها إلى أوطانها التي نشأت على أرضها وترعرعت بين جنباتها.

 

فالوطن هو مهد الصبا، ومدرج الخطى، ومرتع الطفولة، وملجأ الكهولة، وموطن الآباء والأجداد، والأبناء والأحفاد، وهو يحقق معنى الاستخلاف في الأرض (هُوَ أُنْشَأكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (هود: من الآية 61).

 

ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم ودَّع مكة، وطنه، حين الهجرة، وداع الآسف على فراقها وترْكِها، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أطيبك من بلد، وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك" (رواه الترمذي).

 

ولما قَدِم أصيل الغفاري إلى المدينة بعد الهجرة، دخل على أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- قبل أن يفرض الحجاب، فقالت له: يا أصيل كيف عهدت مكة؟ قال: عهدتها قد أخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها. قـالـت: أقـم حتى يأتيك النبي صلى الله عليه وسلم. فـلـم يـلـبث أن دخـل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: "يا أصيل كيف عهدت مكة؟، قال: والله عهدتها قد أخصب جنابها وابيضت بطحاؤها، وأغدق إزخرها، وأسلت ثمامها، وأمش سلمها. فاغـرورقت عيناه الشـريفتان وقال: "حسـبك يا أصيل لا تُحزنّا"، وفي رواية: "ويهًا يا أصيل، دع القلوب تقر".

 

ويؤخذ من هذين الحديثين أن حب الوطن يكون في دم كل إنسان، وهـو يعدل- بل يزيد علي- حب الأولاد، والأهل، والعشيرة، وهو ما جعل العرب- كما يقول الجاحظ-: "كانت إذا غزت أو سافرت حملت معها من تربة بلدها رملاً وعفرًا تستنشقه".

 

وهذا الحنين للأوطان، هو ما جعل بلالاً الحبشي يتمنى الموت على أرض مكة حين مرض بعدما قدم المدينة- لوخامة جوها- فقال وهو على فراش المرض: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بوادٍ وحولي إزخر وجليل؟ وهل أردنَّ يومًا مياه مجنةٍ وهل يبدُون لي شامة وطفيل؟ ومن هنا يرى الإخوان: 1- أن حب الأوطان من الإيمان، ولا يتخلى عن وطنه إلا منافق شديد النفاق، جاحد لا يستحق العيش على أرضه. ومن الإيمان معرفة أفضال الوطن وضرورة رد الجميل إليه (هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلاَّ الإحْسَان) (الرحمن:60).
2- أن خدمة الوطن، ورفعته، والتصدي لما يضره والدفاع عنه وقت الحاجة- فرضٌ لا جدال فيه.

 

3- أن الوطن بالنسبة للمسلم وطنان: وطن أصغر، وهو الأرض التي ولد فيها ونشأ وتربى عليها، وهي ذات حدود جغرافية معروفة، أما الوطن الأكبر فهو كل بلد يذكر فيه اسم الله.

 

وأن حدود الوطنية الإسلامية هي العقيدة وليست الحدود الجغرافية التي صنعها المستعمر، وإذا كان البعض يعلي من قيمة الوطنية، فإن العقيدة تستوعب جميع هذه القيم، فبداخلها وطنية الحنين، ووطنية الحرية والعزة، ووطنية المجتمع التي تقوى الرابطة بين أفراد القطر الواحد.

 

4- أن الإسلام لا يعترف بقبلية أو عصبية، بل يعتبرهما جاهلية، وهو يعلي- في الوقت ذاته- من قيم الحرية والعدل والمساواة.

 

فهل يفهم العلماني ذلك، أم يدخل في جدل بيزنطي لا طائل من ورائه؟!